مباشر
مَكْتَبَةُ الْمَنارَةِ الْعالَمِيَّةِ
بِمَوقِعِها ArabCast.org
ألْمَكْتَبَةُ الْعَرَبِيَةُ الْأولى
لِلْأشْخَاصِ مَعَ إِعاقَةٍ في الْقِراءَةِ
مقالات متنوعة /

الصورة ليست واضحة!

الصورة ليست واضحة!

الصورة ليست واضحة!

اسم المؤلف: محمد بشناق
اسم القارئ: محمد السعدني
النسخ المتاحة:

الصورة ليست واضحة!
بقلم: محمد بشناق

بحكم عملي في الموارد البشرية، واحتكاكي اليومي مع عشرات الموظفين في المنظمة التي أعمل فيها، لاحظت في الآونة الأخيرة شيوع عبارة "الصورة ليست واضحة". حتى عندما تسأل موظفاً عن حاله، أو عن وضع الشركة، أو عن خططه المستقبلية، إلى آخر تلك الأسئلة، يأتيك جوابه بنبرة محبطة: "بصراحة، أشعر بأن الصورة ليست واضحة!".

بدايةً، لا بد من القول إنه من الجميل أن تكون "الصورة واضحة". هذا أمر لا يختلف عليه اثنان؛ لكن، ومن خلال خبرتي التي تمتد إلى سبعة وعشرين عاماً، فإن إلحاحنا على ضرورة أن تكون الصورة واضحة، هو مجرد "وهم"، وتبرير لعدم قدرتنا على الاستجابة للمتغيرات، وعدم رغبتنا في فهم الواقع والتعامل معه. وللمزيد من التوضيح، سأسرد بعض النقاط المهمة التي قد تساعدنا على تفسير هذا الموقف الذهني، وتَخطِّي هذه العقبة الكأداء!

1.    نحن نعيش في عالم سريع ومتغير، ويكذب أي محلل اقتصادي يقول: "يمكنني رؤية الصورة بوضوح حتى خمس، أو ثلاث سنوات قادمة"! عالمنا سريع وديناميكي الإيقاع، ولم نعد نستطيع استيعاب كل المتغيرات من حولنا! فمن كان يتوقع وصول سعر النفط إلى عشرة دولارات عام 1998، وارتفاعه إلى ١٤٦ دولاراً عام ٢٠١٤؟ ومن كان يتوقع الانهيار الكارثي في أكتوبر ٢٠٠٨؟ ومن كان يتوقع هذا التراجع الكبير لليورو أمام الدولار؟

2.    نحن نعيش في ظل أزمات سياسية خانقة لا بد من فهمها، ثم استيعاب تبعات كل المتغيرات التي تشوش "الصورة" كل يوم، وكل لحظة. هناك حروب طاحنة تدور رحاها في العالم العربي، وعدم استقرار في مصر وتركيا. وفي حين تولد أوروبا الشرقية من جديد، تشهر كل من اليونان وإسبانيا إفلاسهما في أوروبا الغربية، فضلاً عن رغبة روسيا الجامحة في العودة إلى قيادة العالم. أما أمريكا فتبدو وكأنها لا ترى شيئاً من الصورة، في ظل قيادة "ترامب" لها!

3.    وحيث نعيش طفرةً تكنولوجيةً وتجاريةً هائلة، يخرج لنا كل يوم منتج جديد يهدد كبريات الشركات العالمية بالإفلاس. فمن كان يتوقع لطيران الإمارات التي تأسست في أواخر القرن الماضي، أن تتربع على عرش الملاحة الجوية، وتنافس شركات: "لوفتهانزا"، و"كيه إل إم"، و"بريتش إيرويز" اللواتي سبقنها بمراحل في مخزون الخبرة والتجربة؟ ومن كان يتوقع لـ"كوداك" أن تموت؟ ولـ"نوكيا" أن تحتضر؟ ولـ"زارا" أن تصبح النموذج الأمثل لقيادة صناعة الألبسة في العالم؟!

نعم "الصورة ليست واضحة"، لأنها لم تكن واضحةً يوماً ما، وأبشركم بأنها لن تكون واضحة أبداً! هذا هو الواقع الذي لا نريده ولا نود الحديث عنه، ولكنه أيضاً التحدي الكبير الذي علينا أن نواجهه بواقعية. فكيف نحول هذه الصورة القاتمة إلى طاقة إبداعية وقرارات إيجابية؟

يكمن الجواب في ثلاث نقاط أُجملها فيما يلي:

1.    العمل على تغيير النمط الذهني من: "لن نكون سعداء إلا إذا رأينا الصورة واضحة"، إلى: "سأحاول فهم الصورة الحالية وأتعامل مع متغيراتها، وسأجعل ذلك جزءاً محورياً من منظومة تفكيري اليومية".

2.     إذا كانت فعلاً الصورة غير واضحة، فلماذا لا نعمل أنا وفريقي على رسم صورة أكثر وضوحاً، بدلاً من أن نقف متفرجين ونعمل محبطين من ضبابية الصورة؟! ولماذا لا نكون جزءاً من الحل بدلاً من أن نكون جزءاً من المشكلة؟

3.    إصراري على العمل في ظل الغموض هو حجر الزاوية في تطوري وارتقائي الوظيفي، لأن قدرتي على التعامل مع المجهول والفوضى تضيف بعداً شيقاً إلى مسيرتي الوظيفية، الأمر الذي لا يضيفه عملي، فيما لو كانت الصورة واضحة ونمطية وروتينية!

من الجميل أن نشعر بالسعادة عندما تكون الصورة واضحة، ولكن الأجمل أن نكون أكثر سعادة عندما ننجح في رؤية "الصورة غير الواضحة"، فنخوض تجربة التحدي لكي نفهمها، ونتعايش مع متغيراتها، كقادة ومديرين وموظفين، عازمين على النجاح والتفوق.

لا أبالغ إذا قلت إن قدرتنا على التعامل مع الصورة الضبابية أهم من قدرتنا على التعامل مع الصورة الواضحة والجَلِيَّة؛ فالأولى تصنع قادة حقيقيين، ولا تصنع الثانية سوى موظفين مُحبَطين، لا مغامرين ولا مبتكرين. كونوا موظفين مبادرين، وللصورة الضبابية عاشقين، فهي التي ستصنع منكم قادة حقيقيين!

بقلم: محمد بشناق

إقرأ أيضا ...
كتب مفتوحة
قصائد من حديقة الصبر
بتسوى بلدي تكون متاحة
من قصائد الدكتور فهد أبو خضرة - المجموعة الثانية
المساعد في التاريخ القصصي
كتب للمتسجلين
بردقانة (رواية)
قنديل أم هاشم (رواية)
إبدأ بالأهم ولو كان صعباً
رحلة جبلية رحلة صعبة: سيرة ذاتية
كتب بريميوم
לגעת במים לגעת ברוח
חרוזי החיים והמוות
בעצם יש כאן שתי מלחמות
ספר הדקדוק הפנימי