مباشر
مَكْتَبَةُ الْمَنارَةِ الْعالَمِيَّةِ
بِمَوقِعِها ArabCast.org
ألْمَكْتَبَةُ الْعَرَبِيَةُ الْأولى
لِلْأشْخَاصِ مَعَ إِعاقَةٍ في الْقِراءَةِ
قصص نجاح /

هيلين كيلير - المرأة المعجزة

هيلين كيلير - المرأة المعجزة

هيلين كيلير - المرأة المعجزة

اسم المؤلف: سلسلة الناجحون
اسم القارئ: اليزابيث نصار
النسخ المتاحة:
مسجل صوتيا
نسخة مكبرة

هيلين كيلر

المرأة المعجزة

طبعة جديدة مويدة ومُنقَحة  ومرفقة بمجموعة من الاسئلة المنهجية والمفيدة

دار العلم للملايين.

 

 

*5

مقدمة

هذا الكتاب ( هيلين كيلر ) المرأة المعجزة التي صارعت كل ما قَسَت به الطبيعة عليها، حين هاجمتها المرضُِ في طفولتها المبكرة، فتركها فريسة ً من العاهات.

لكنَها كانت تمتلك عزماً وقوة وأرادة، فناضلت في الحياة حتى قهرت المرض وتفوًَقت على نفسها. وهو الكتاب الوحيد من سلسلة ( الناجحون ) الذي يحاول ان يَْعرض سيرة انسان معاصر، فكل شخصيات الناجحون رجال ونساء طواهم الزمن فبات من اليسير على التاريخ ان يقول كلمته في كل واحد منهم، أما ( هيلين) كيلر فما والت في قيد الحياة.

وهذا ما دفعنا إالى ان نحاول جعلها تحدًَث الفتى العربيًَ من قرًَأ ( الناجحون) عن نفسها، وهكذا سلكنا طريقا متميزا عما الفناه في بقية تلك السلسلة. لقد قمنا بتلخيص مذكراتها، مراعين في ذلك تيسير الافكار وإضافة شيء من رقة الأسلوب، وحذف بعض التفصيلات التي لا تهم القارئ العربي كثيرا.

*7

عالم مظلم

حتى الوقت الذي افقدني فيه المرض بصري وسمعي، عشت مع والدي في بيت صغير جدا، يتألف من غرفة مربعة واسعة اصغر وأخرى أصغر منها كانت تنام فيها خادمتنا. وكان مغطى تماما بالورود والنباتات المستقلة الأخرى على جدارنه، فهي  بمثابة سكن مفضل لأسراب النحل والطيور.

أما بيت كيلر الكبير، حيث تعيش العائلة، فكان يبعد خطوات قليلة عن بيتنا الصغير وحديقته الجميلة، التي كنت اعتو بها كثيرا في ايام الطفولة. وحتى في الأيام التي سبقت قدوم أستاذي، كثيرا ما كنت أتحسس طريقي بمحاذاة الأجمات  الكثيفة، حيث تقودني حاسة الشم، إلى أن أجد أولى زهور الربيع.

كم كان يسرني أن أكون طليقة في ذلك البستان المملوء بالزهور! هناك اعتدت أن أنطلق بسعادة من مكان إلى مكان، حتى

أصل الى عريشة جميلة، أتعرف عليها بأن أتحسس أوراقها وأزهارها. وعندها أعلم أنني قد وصلت الى البيت الصيفي القديم الكائن عند نهاية البستان.

*8

ولأعد إلى الوراء لأنكلم قليلا عن طفولتي :

كانت أيام حياتي الأولى عادية تشبه حياة الصغار الأخرين : أتيت إلى هذا العالم، وتفتحت عيناي على النور،  وأنتصرت كما ينتصر دائما أول طفل العائلة.

وكان هناك الحديث المعتاد في المعتاد في مثل هذه المناسبات، وهو العثور على الاسم المناسب للمولود الجديد. وقد تمت الموافقة في النهاية على الأسم التي اختارته والدتي، وهكذا سميت ( هيلين). فهل كانت هيلين هذه ذكية محبوبة فيما بعد.

لقد قيل لي انتي أظهرت دلائل كثيرة تنم عن شخصية ذات عزم وتصميم عندما ارتدي ملابسي الطويلة. كنت أحاول ان أقلد كل شيء أراه ويفعلونه الأخرون وفي الشهر السادس من عمري تلفظت بأول كلمة. أذا لفت انتباه الجميع ذات يوم عندما نطقت كلمة (شاي) بكل وضوح. وحتى بعد مرضي تذكرت احدى الكلمات التي كنت قد تعلمتها في الأشهر الماضية. انها كلمة ( ماء) وقد واصلت اطلاق صوت يعبر عن تلك الكلمة حتى بعد ان فقدت كل القدرة على النطق. ولم اتوقف عن ذلك إلا عندما تعلمت ان أتهجى الكلمة فقط. أما كيف بدأت السير وأنا في السنة ألأولى من عمري فكان على الصورة التالية : كانت والدتي قد اخرجتني لتوها من الحمام وأجلستني على ركبتيها. وفجأة رأيت ظلال الأغصان تتراقص تحت ضوء الشمس فوق الأرض الناعمة، فأنزلقت عن ركبتي والدتي وابتدأت أمشي بأتجاهها. ولكنني وقعت ا  رضا وارتفع صراخي.. فأسرعت إلي والدت وحملتني بين ذراعيها وهي تضحك. لكن هذه السعادة نطلقة في طفولتي كانت قصيرة العمر. أنها لم تدم طويلا :

*9

\ربيع قصير واحد تملأه أغاني الطيور وصيف واحد سخي بالفاكهة والورود، وخريف ما أجمل لونه الأحمر الذهبي ! وسرعان ما مرت هذه الفصول وخلفت ذكرياتها عند أقدام طفلة متلهفة مسرورة.

ثم جاء شهر شباط الكئيب من سنة 1882. وفي هذا الشهر نزل بي المرض.. فأغلق عينيّ وأذنيّ، وأغرقني قي خالة من الغيبوبة. وقد اعتقد الطبيب أن حظّي من الشفاء قليل، ومن غير الممكن ان تكتب لي الحياة. ولكنّني استعدت وعيي ذات صباح باكر مرّة أخرى. فابتهج والدي كثيرًا ذلك الصباح، ولكن ما من أحد كان يعلم بأنني سوف اتمكّن من الرؤية والسمع مرةً أخرى.

وما زلت قادرةً علئ أن أتذكّر شيئًا ما عن ذلك المرض، وعلى الأخص ذلك العطف الذي شملتني به والدتي في ساعات يقظتي لكي تشجّعني على تحمّل القلق والألم. كذلم ما زلت أذكر كيف كنت استيقظ من نومي المضطرب، وأدير عينيّ الملتهبتين الجافتين، الى الحائط، بعيدًا عن الضوء الذي احببته ذات مرة والذي كان يصلني آنذاك باهتًا جدًا.. ثم انه ظلّ يزداد ظلمة يومًا بعد يوم. وباستثناء هذه الذكريات، فأن كل شيء عن تلك الفترة يبدو غير حقيقيّ مثل حلم مزعج.

وزايلني المرض، ولكن بقيت آثاره.

وبدأت أتعوّد على السكون والظلمة حولي قليلاً قليلاً، لم أعد أذكر أن هذا كان يختلف أبدًا الى أن حضرت أستاذتي الى المنزل. آه ما أحلاها! لقد مان مقدّرًا لها أن تعيد لي حرية روحي المقيّدة.

*10

عالم البيت

لست أتذكّر ما حدث خلال الشهر الأول الذي اعقب مرضي، وكل ما يلوح لي الآن هو أنني كنت أجلس فوق ركبتيّ والدتي أو أتعلّق بثوبها فيما هي تقوم بمهام عملها فب البيت. كانت يداي تتحسّسان كل شيء، وكنت أتلمّس كل حركة.. وبهذه الطريقة استطعت أن أتعلّم أشياء كثيرة. لكنّني سريعًا ما شعرتُ بالحاجة لأن أتصل مع الآخرين، فبدأتُ أقوم ببعض الاشارات، ويومذاك اخترعت لي قاموسًا خاصًا.

كانت هزّةٌ من الرأس تعني "لا" وايماءة منه تعني "نعم"، ـما جذبةُ اليد فمعناها "تقدّم"، والدفعة "اذهب". وحين أحتاج الى الخبز، كنت أقلدُّ عمليّة تقطيعه ودهنه بالزبدة.

ولقد نجحت والدتي في تمكيني من تفهُّم أشياء كثيرة. كنت أعرف دائمًا متى تريدني أن أحضر شيئًا لها، فأسرع لأصعد الدرج أو أذهب الى أي مكان آخر تشير اليه. والحقيقة أنني أدين الى حكمتها المحبوبة بكل ما هو مشرقٌ خيّر ليلي الطويل المظلم.. فما أطيب الوالدات!

كذلك كنت أفهم الكثير مما كان يدور حولي. ففي الخامسة من عمري تعلّمت كيف أرتّب الملابس النظيفة بعد غسلها، وكيف أضعُها في مكانها الصحيح، كما أميز ملابسي الخاصة من بين الملابس الأخرى. وتحسُّسًا بالطريقة التي ترتدي بها والدتي وشقيقها ملابسهما، كنت أعرف ما اذا كانتا ترغبان في الخروج من البيت. وعند ذاك أستعطف والدتي كي تسمح لي بمرافقتها. وحين يزورنا ضيوف كانت الوالدة تبعث في طلبي. ويؤلمني بهذه الممناسبة أن أستعيد هذه القصّة.

*11

حضر بعض الضيوف ذات يوم لرؤية والدتي، أحسست بذلك عندما أغلق الباب كما تخيّلت أصواتًا أخرى تدل على وصولهم. فأسرعن الى الطابق العلويّ لأفكّر في اللباس الذي الذي يجب ارتداؤه لمثل هذه المناسبة. وهناك وضعتُ الزيت على شعري وغطّيت وجهي بالبودرة، وأنا واقفة أمام المرآة. ومن ثم أثبتُّ الحجاب فوق رأسي بالمقلوب، حتى انه غطّى وجهي وانسدل فوق منكبيّ. وبلباسي هذا نزلت أساعد والدتي في خدمة الضيوف. وأتخيّل الآن همهمة في تلك الغرفة.. ربما مانت ضحكًا. والواقع أنني لا أذكر تمامًا متى اكتشفتُ أنني أختلف عن الآخرين. لكني كنت أعرفه قبل خضور أستاذتي على كل حال. يومذاك شعرت أن والدتي وأصدقائي لا يستعملون الاشارات كما أستعملها أنا، حين يرغبون في اتمام عملٍ ما: انهم يحرّكون شفاههم. أتراهم يعلمون بهذه الطريقة!!

وفي بعض الأوقات كنتُ أقف بين شخصين يتحدثان وألمس شفاههما. ولم يكن امكاني فهمُ شيء، فكان ذلك يثير غضبي الشديد. وقد حاولت أن أحرّك شفتيّ ألوّح بيديّ، ولكن دون فائدة. وكان هذا يجعلني أستشيط غضبًا في بعض الأوقات، فأظلُّ أر كل الهواء وأبكي الى أن أستنزف كامل قواي الجسديّة.

ولا بدّ أنني كنت أدرك أنّ تصرفاتي كانت سيئة في بعض الأحيان، اذ كنتُ أشعر بالآلام التي تسبّبها ركلاتي لممرضتي "الاّ". وكثيرًا ما شعرتُ بالأسى بعد أن تكون حدّة انفعالي قد انخفضت، بكنّني لا أتذكر أية مناسبة منعني فيها هذا الشعور من معاودة تصرُّفي السيّىء هذا حين أفشل في الخصول على ما أرغب فيه.

*12

وهل كان لديّ رفاق طفولة يا تُرى؟

نعم، في تلك الأيام كان لديّ رفيقان دائمان: فتاة زنحية صغيرة هي بنت طبّاخنا، وكلبي الصيّاد "بل". وكانت "مرتا" تفهم اشارتي، ونادرًا ما وجدتُ صعوبةً في جعلها تقوم بعمل كنت أرغب فيه. وكان يسرُّني أن أسيطر عليها، فترضخ لي وتلبّي جميع مطالبي على الدوام، خوفًا من أن نتشابك بالأيدي.

وكنت أمضي، أنا ومرتا، فترة طويلة من الوقت في المطبخ، حيث نساعد في تحضير الطعام وعلف الدجاج، الذي كان يتجمّع حول درجات المطبخ ولا يهاب التقاط الطعام من يديّ.

وكان هناك بعض الطيور التي اعتادت أن تبني أعشاشها في أماكن بعيدة، فكنت أذهب اليها. وما أعظم سوروي حين أجد عشًّا فألتقط البيض من بين الحشائش الطويلة! ولم أكُن قادرة على اعلام مرتا كلّما رغبتُ في الذهاب لالتقاط البيض، فكنت أضمّ يديّ وأضعهما على الأرض، فتفهم مرتا نا أعنيه وترافقني الى هناك.

ولم يكن هذا هو نشاطي كله في تلك الأثناء. كلا، فقد كان مستودع الحبوب، والاصطبل، والفناء الذي تُحلب فيه البقر كل صباح- أمكنة عظيمة الأهمية في نظري. وكثيرًا ما كان الحلاّبون يسمحون لي أن ألمس البقرات أثناء قيامهم بحلبها. كذلك كان الاستعداد للاحتفال بعيد الميلاد من أحبّ الأشياء السّارة الى نفسي. نعم، كنتُ أجهل ما يعني ذلك الاستعداد، ولكنني كنت أستمتع بالروائح التي تنبعث في البيت يومذاك، وبالقطع اللذيذة المذاق التي كانت تقدّم لي ولمرتا

*13

صورة لهيلين كيلر

*14

لأبقائنا هادئتين. ولم أكن ذات فضول كبير الى هدايا العيد.. فلم أتعوّد أن أستيقظ باكرًا لأبحث عما يكون والدي قد أحضر لي من الهدايا. وكانت مرتا مولعةً بالقيام ببعض الألعاب والخدع الصبيانية مثلي تمامًا. وفي أحد أيام تموز الحارّة كنت ترى فتاتين صغيرتين جالستين على درجات البيت الأمامية. أما احداهما فكانت سوداء ذات شعر كثيف، وـما الأخرى فهي بيضاء ذات ضفائر ذهبية طويلة. وكانت الزنجية في السادسة من عمرها أما الأخرى فتكبُرُها بسنتين أو ثلاث. وكانت الفتاة الصغرى عمياء- هذه انا- وأما الأخرى فكانت مبصرو- وهذه مرتا.

وعلى الدرج كانت الفتاتان مشغولتين باقتطاع بغض الصور من الورق، ثم نحوّلنا الى قصّ أربطة أحذيتنا واللعب ببعض أوراق النباتات. ومن ثم حوّلت انتباهي الى شعر مرتا أتسلّى في قصِّهِ. وعملت مرتا بالمثل فقامت بقصّ احدى ضفائري. زكنت أضحك.. ولو لم تظهر والدتي في الوقت المناسب لانقاذ ما تبقّى من ضفائري لكانت مرتا قد قضت عليها بأكملها.

ولأصف الآن رفيقي الثاني، "بل": لقد كان كلبًا كسولاً يحبُّ النوم دائمًا بقرب المدفئة بدلاً من ان يلعب معي. وكثيرًا ما حاولتُ أن أجعله يفهم لغة الاشارات التي كنت أقوم بها.. ولكن دون جدوى. انه لم يكن يهتم بذلك. وبالطبع لم يسرّني عناده هذا، فكان الدرس ينتهي بيننا في صورة معركة.. لكنّها معركة من جانب واحد.

والحقُّ أن بعض أحداث هذه السنوات كانت واضحة في مخيّلتي

*15

وضوحًا كبيرًا، فجعلت حياتي الساكنة أمثر ظلمةً فيما بعد. ومما ما زلت أذكره بأسًى هذه الحادثة.

تبلّلت منشفتي ذات يوم فقمتُ بوضعها أمام نار المدفئة في غرفة الجلوس كي تجفّ المنشفةُ بسرعة، كما تهيّأ لي.. فاقتربت أكثر من المدفئة. ويبدو أن النار أصابت طرفها.. فاشتعلت، وحاصرني اللهبُ حتى انّ ملابسي بدأت تشتعل بعد لحظة واحدة. فماذا أفعل؟! لقد رحتُ أصرخ من الرعب. وجلب صياحي انتباه احدى الخادمات فحضرت مسرعةً لانقاذي. ومن حسن الحظّ أنني لم أُصب بحروق خطيرة في ذلك اليوم.

وهذه حادثة أخرى:

في حوالي هذا الوقت اكتشفتُ طريقة استعمال المفتاح. وبينما كانت والدتي موجودةً داخل مخزن الأطعمة القريب من المطبخ ذات صباح، قمتُ من جانبي باقفال المخزن وعي في الداخل. وقد بقيت هناك طيلة ثلاث ساعات وهي تواصل الطّرق على الباب، الى أن جاء الخدم من قسم آخر من البيت وأخرجوها. وكنت  أنا أثناء ذلك أجلس على درج البيت مسرورة بفعلتي هذه، ويزداد سروري كلّما أحسستُ بقوّة الطّرق على الباب.

أخت جديدة

انتقلنا الى بيت جديد واسع عندما كنت في الخامسة من عمري. وكانت العائلة تتألّف عندئذٍ من أربعة أشخاص. ثم أتاها فرد خامس، هو أختي الصغيرة "ميلدرد"، فيما بعد. وسأحاول الآن أن أتذكر شيئًا عن

*16

والدي ثم طفلته الجديدة: ان أقدم ذكرياتي الواضحة عن والدي هي أنني كنت أشقُّ طريقي اليه من خلال أكوام الجرائد. حتى اذا وصلت الى جانبه وجدته وحيدًا يمسك بطبقٍ من الورق أمام وجهه. كان هذا شيئًا محيّرًا، فلم أتمكن من معرفة ما كان يفعله. وقد قمتُ بمحاكاته مرةً فأمسكتُ بطبقٍ من الورق أمام وجهي، ووضعتُ نظارته على أرنبة أنفي- لكي أكتشف هذا اللغز. ولم أستطع ذلك بالطبق. ثم مضت بضع سنوات قبل أن أكتشف ذلك السرّ الذي حيّرني، وأعلم ماذا كانت تحتويه تلك الأوراق. انها كتاب..

وكان والدي كريمًا ورقيقًا جدًا، وكان حبه لعائلته يملأ قلبه النبيل. ونادرًا ما كان يتركنا من غير فصل الصيد، اذ كان صيّادًا ماهرًا ولهذا كان حبه موجّهًا الى كلبه وبندقيته بعد عائلته. وكان يستمتع بوجود الضيوف في بيته، ونادرًا مت حضر الي البيت دون أن يكون برفقته أحدُ ما. وكان شديد الافتخار ببستانه الكبير الذي غرس فيه أفضل أشجار الفاكهة. وما زلت أذكر لمسته المُحبّة وهو يقودني من شجرة الى شجرة كي يدخل السرور الى قلبي.. وكان سروري يجلب له كثيرًا من الغبطة.

وكان هذا الوالد الكبير القلب أحد القصصيّين المشهورين. فما أحلى حديثه وهو يروي لي أفضل قصصه بتجئتها عن طريق لمس يديّ! ولم يكن يسرُّه شيءٌ أكثر من جعلي أعيد سردها له في لحظاتٍ مناسبة.

ولكن.. ما بالي أنسى والدتي!!

*17

كيف يجب أن أكتب عنها؟ انها قريبة منّي بشكل يجعل من الصعب عليّ أن أتحدّث عنها. ان حديثها لي كنزٌ لن أبوح به للآخرين.

فلأنتقل الى ضيفتنا الجديدة..

بقيتُ أنظر الى أختي الصغيرة "ميلدرد" وكأنها عدوّة لي لفترة طويلة. وهذا أمر طبيعي. لقد شعرتُ بأنني لم أعد طفلة والدتي الوحيدة المدلّلة، فملأني هذا الشعور بالاستياء. كانت هي تجلس بصورة دائمة على ركبتيّ والدتي، حيث كنت أجلس أنا، وبدا لي وكأنها قد استحوذت على كامل اهتمامها ووقتها. وقد حدث ذات يوم سيءٌ جعلني غير قادرة على أن أحتمل أكثر مما احتملت  من قبلُ.

في ذلك الوقت كان لديّ دميةٌ لطيفة مصنوعة من الخرق أطلقت عليها اسم "نانسي". وكانت صبورة على الأذى، فما أكثر ما قاست من فوارت الغضب التي كانت تنتابني في تلم الأيام، حتى أصبح شكلها أكثر بشاعةً بسبب ذلك. وكان لديّ العديد من الدمى الأخرى: بعضها يتكلم أو يبكي، وبعضها يفتح عينيه ويغلقها. ومع ذلك لو اكن أحبُّ أيًا منها قدر "نانسي" المسكينة. كان لها فرشة صغيرة خاصة بها. وكنت أحرس كلاً من الدمية والفرشة باهتمام عظيم. وفي أحد الأيام وجدتُ أختي ترقد بهدوء في فرشة "نانسي"، فانفجرتُ غضبًا لمثل هذا العمل الوقح، وأسرعتُ الى الفراش وقلبته رأسًا على عقب. وكان من الممكن أن تقتل أختي لو لم تسرع والدتي وتلتقطها أثناء سقوطها.

أية جريمةٍ كانت ستكون فعلتي يومذاك!

لكن.. عذرًا، فعندما نسير وحيدين في هذا العالم (كما فعلتُ أنا في

 

*18

ذلك الوقت) نظلُّ نعلم القليل عن ذلك الحبّ الكبير الذي ينبثق من ثنايا الكلمات الرقيقة والزّمالة. لقد أصبحنا فيما بعد، أنا و "ميلدرد"، أختين تُكنُّ الواحدة منا أعظم الحب للأخرى، واعتدنا أن نسير يدًا بيد، حيثما يقودنا هوانا، مع أنها لم تكن قادرةً على فهم لغة الأصابع التي استعملها، وظللتُ أنا لا أفهم كلامها الصبيانيّ.

(صورة لفتاة عمياء أمام المرآة).

*19

الأيام الصعبة

كنت كلّما تقدّم بي السنّ- وكنت في السادسة من عمري تقريبًا الآن- تضاعفت رغبتي في التعبير عن نفسي. لقد أضحَت الاشارات القليلة التي أستعملها غير مرضية لي، وكان فشلي في جعل نفسي مفهومةً لدى الآخرين يسبًب لي انفعالاً شديدًا. كيف لا وأنا أشعر ـن هناك يدًا خفيّة تقيّدني وتقطع عليّ الطريق! ولقد حاولت بكل ما أملك من قوّة تحرير نفسي من هذا القيد. كنت أكافح وأكافح.. ولكن دون جدوى. وكانت روح المقاومة قويةً عندي ولكننا ظللتُ أفشل. وكنت في معظم الأحيان أطلق العنان لدموعي.. فأتركها تعبّر عمّا أقاسيه من يأسٍ وألم. وما أحرّ تلك الدموع!

وكان يصدف أن تكون والدتي قريبةً مني وأنا على حالتي هذه، فأتسلّل بين ذراعيها وأنا في حالةٍ شديدة من اليأس. في تلك الفترة أصبحت حاجتي ماسّة لبعض الوسائل الجديدة التي تمكّنني من التعبير عن نفسي، الى درجة جعلت ثوراتي العصبية تنتابني كل يوم- ان لم أقل كلّ ساعة. وكنت أفكر أحيانا في طلب مساعدة والديّ.. لكن ماذا يفعلان لي!!

كان أبي وأمي شديدي الألم والاضطراب من جرّاء حالتي هذه..

لكنهما عاجزان عن خدمتي. فقد كنا نعيش بعيدين جدًا عن أية مدرسةٍ للعميان والصُّم. وكان يبدو من المشكوك فيه ان يقبل أي شخص المجيء الى تسكمبيا، لكي يقوم بمهامِّ تعليم طفلة عمياء صمّاء. و زاد في مرارة الموقف أن كان بعض أفراد العائلة والأصدقاء يعتقدون بإمكانية تعليمي، ومن هؤلاء والدتي المسكينة.  وكان املُها هذا قد انبثقَ من مطالعتها لمقتطفاتٍ من قصة فتاة صمّاء عمياء، مثلي، اسمُها لورا بريدجمن، تمكًّنت من أن تتعلم وتتثقًّف. ولكنًّ أملها هذا كان مشوباَ بالقلق.. لأنها كانت تعلم أن الدكتور “هوي” الذي اكتشف طرق تعليم الصمِّ والعميان،  قد توفي منذ سنواتٍ كثيرة.

وكما كانت والدتي تودُّ ان تخدمني،  كان وادي بدوره ايضاَ. لقد سمع عن طبيب مشهور للعيون كان قد نجح في إعادة النظر لأشخاص مكفوفين بعد أن فقدوا كل املٍ في استعادة بصرهم. فقرًّر والدي استشارة هذا الطبيب وعَرْضَ حالتي عليه لمعرفة ما يمكن عمله بشأني.

ما زلتُ أذكر أن الرحلة كانت سارة جداً بالنسبة إليًّ. فقد عقدتُ أثناءها صداقاتٍ مع أشخاصٍ كثيرين في القطار. ها هي إحدى السيدات تهبني صندوقة مملوءة بالصَّدَف. وها هو والدي يقوم بتعبئتها لأتمكن من جمعها بخيط. أما حارس القطار، فقد كان هو أيضاً لطيفاً معي. كنت أمسك بسترته عندما يقوم بجولته ليتفقد بطاقات الركاب المسافرين في القطار. وكان يقوم بثقْب هذه البطاقات بواسطة آلةٍ يحملها لهذا ألغرض ويَدَعُني الهو بها احياناً. وحتى المسافرين في مركبتنا كانوا لطفاء. لقد صنع أحدهم دميةً كبيرة من القماش، وجعل منظرها سخيفاً جداً، إذ أبقاها بدون أنفٍ وفم ولا أذنين أو عينين. فأثار عدم وجود عينين لها اضطرابي واهتمامي معاً يشكل غريب، حتى 

*20

أشرتُ إلى ذلك لكثير من الركاب. ولكنْ ما من أحدٍ بدا قادراً على تزويد الدُّمية بالعينين. وأخيراً عثرتُ على خَرزَتين، وأشرت إلى الموضع الذي يجب أن تُثَبَّتا فيه.

ووصلْنا الطبيب..              

فرحّب بنا بلطفٍ كبير: ولكن ويا للأسف، لم يتمكن من إفادتي بشيء، إذ كانت حالتي ميئوساً منها. غير أنه قال لوالدي إنه بالإمكان تعليمي، وأوصاه أن يقابل الدكتور “بيل” في واشنطن، فبمقدوره أن يُفيده عن المدارس والأساتذة المتخصِّصين بتعليم أمثالي. وتنفيذاً لنصيحةِ هذا الطبيب قصدنا الدكتور بيل، ولدى والدي الكثير من الشكوك والألم.

ومع أنني كنت لا أزال طفلة صغيرة فقد شعرتُ على الفور بذلك الحنان وسعة القلب الذي جعل من الدكتور بيل شخصاً يحترمه الجميع. لقد أجلسني في حِجره وسمح لي أن أتحسَّس ساعة يده. آه، ما أطيبه ! لقد فهم ما أعنيه على الفور، فزاد ذلك محبتي له. ولكنه لم يدْر بخلَدي أبداً أن تكون زيارتي له هي المدخل الذي أنتقلُ من خلاله من الظُّلمة إلى النور ثم أستمتع بالصداقة، والزمالة، والمعرفة وحب الآخرين. فعن طريقه تمّ العثور على الآنسة سوليفان. وهذا هو اسمُ معلمتي الجديدة، التي سأتحدّث عن فضلها عليّ بعد قليل.

الآنسة سوليفان

            إن أعظم يوم في حياتي هو ذلكَ اليوم الذي وصلَتْ فيهِ سوليفان. وإنَّهُ ليملأني في العجَبُ وأنا أفكِّر بفارق الظلمة والنُّور في حياتي قبل مجيئها وبعده.

*21

            إننا في اليوم الثالث من آذار 1887، ولم يبقَ على بلوغي السابعة من عمري إلاَّ ثلاثة أشهر. وها أنا أقف عند مدخل البيت الأمامي ساكنة مترقّبة. لقد أحسَست أن شيئاً غير عاديّ سيحدث، وهكذا ذهبتُ إلى مدخل البيت لأنتظر على الدرجات هناك. ها هي حرارة الشمس تَلفَح وجهي وأنا أقفُ هناك، ولا بدّ أن الشمس تجود بنورها على الأزهار التي تغطِّي مدخل البيت. آه ما أجملها ! ها هي أصابعي تتحسّس الأغصان والزهور المألوفة التي نَمَت لتستقبل فصل الربيع. إن لها الحق في ذلك.. أما أنا، فمن أين لي شيء من ذلك! لقد ظللتُ أشعر باليأس والاستياء خلال الأسابيع الأخيرة، وتملّكني ضجر عميق من واقعي المرير. كنت مثلَ سفينة في مهب الرياح، ولكني لا أملِك القدرة التي تقودني إلى الشاطئ الأمين.

            “ أيها النور، أعطني النور!”

            كانت هذه صرخة صامتة قد انبعثت من روحي، وها قد أضاء عليَّ نور الحبِّ في هذه اللحظة نفسها.

            إنني أشعر بأقدام تقترب مني.. ومددت ذراعيّ إلى الأمام، معتقِدةً أنها أمي. أمسكَ أحدُ ما بهما.. وأحسستُ بنفسي محمولةً بين ذراعيها، من هي ؟ إنها التي حضرت لكي تحيطني بالمحبة والعطف. إنها معلمتي “ مس سوليفان”.

            في صباح اليوم التالي لوصولها قادتني معلّمتي إلى غرفتها حيث قدَّمت لي دميةً جميلة. فمن أين هذه الدمية ؟ إنها هدية. لقد بعثَ بها

*22

بعض الأطفال من مدرسة معيَّنة، كما أن “ لورا بريدجمن) قد فصَّلت ملابسها، ولكنَّني لم أعلم هذا إلاَّ فيما بعد. وبعد أن لَهَوْتُ بالدمية لفترة من الوقت أخذَت الآنسة سوليفان تتهجَّأ كلمة "دمية" في يدي. وأثارت لعبةُ الأصابع هذه اهتمامي على الفور فحاولتُ محاكاتها. وعندما نجحت في عمل الأحرُف بشكل صحيح، أحسَستُ بشعور من الفرح والاعتزاز.

 

            لذا أسرعتُ إلى والدتي، حيث رفعت يديَّ، وقمت بعمل أحرفٍ تدلُّ على اسم الدمية. لم أكن أعلم أنني أتهجى الكلمة أو حتى أنه يوجد هناك مثل هذه الكلمة. كنت بكل بساطة أحرِّك أصابعي بشكل يحاكي السعادين. هذا كل ما عندي. ثم توالت الأيام.. وتعلمتُ التهجئة، بطريقة مفهومة، لعددٍ كبير جداً من الأسماء، بينها: دبوس، قبّعة، فنجان، ولبعض الأفعال الأخرى مثل: إجلس، قف، سِرْ.  ولكن ذلك تمًَّ بعد أن مضى على وجود معلمتي معي بضعو أسابيع، وبعد أن تفهَّمت أنّ لكل شيء اسماً.

صغير وكبير

            بينما كُنت ألعبُ بدميتي الجديدة ذات يومٍ، وَضعَت الآنسة سوليفان دميتي الكبيرة المصنوعةََ من القماش فوق منكبيَّ، وبدأتْ تتهجَّى لي كلمة "دمية" ثم إنها حاولَت أن تفهمني أن كلمة "دمية" هو الاسم لِكِلا الدميتين، الصغيرة والكبيرة. وكان قد سبق في صباح ذلك اليوم أن نَشب بيننا خلافٌ حول كلمتيْ: "إبريق " و "ماء". لقد حاولَت الآنسة سوليفان إفهامي أن "الإبريق" هو الإبريق و"الماء" هو الماء،

*23

*24

ولكنَّني واصلت أخلط بين الاثنين. فتجاهلتْ معلمتي هذا الموضوع بعد ذلك، لكنها قرَّرَتْ أن تعاود الكرّة في وقت لاحق. وأصبحتُ قلقة من جرّاء محاولاتها المتكرِّرة، فأمسكتُ بالدمية الجديدة ورميتُ بها إلى الأرض.

            والواقع أنني لم أكن أحبُّ هذه الدمية، ولهذا لا أتذكَّر أنني شعرت بأيّ  أسف على عملي هذا. على العكس من ذلك، لقد غمرني شعور من الحبّ والعطف في العالم المظلم الصامت الذي كنت أعيش فيه. غير أني أحسَست بمعلِّمتي وهي تنقل قِطع الدمية إلى جانب المدفئة، فأحسَست بالارتياح.

عند بئر الماء

            كان لدى معلِّمتي فكرةٌ جديدة قامت بتنفيذها. لقد أحضرت لي قبّعتي، فأدركتُ أنني سوف أذهب إلى خارج البيت حيثُ أستمتع بالشمس الدافئة. وقد جعلتني هذه الفكرة أقفز سروراً. وهكذا سِرْنا في الممر الذي يقود إلى البئر حيث وجدْنا هناك أحدَ الأشخاص يَنْشِلُ الماء في دلوٍ ثم يسفحه في قناة مبلَّطة. وأخذت معلِّمتي يدي ووضعتها في مجرى الماء البارد وبدأت تتهجى فيها كلمة "ماء".. ببطءٍ أول الأمر ثم بسرعة فيما بعد. وفجأة أحسَستُ بشعور غامض. ما لي أتذكَّر شيئا مضى زمن طويل على نِسيانه. إنه لفظ "ماء" الذي تعلَّمته منذ سنوات. وبطريقةٍ ما أصبح لغز اللغة واضحاً لي. علمتُ عندئذ أن "الماء" هو الشيء البارد المنعش الذي كان يتدفَّق فوق يدي، إذن فهو غير الإبريق. أيقظتْ تلك الكلمة الحيّة روحي، وزوّدتها بالنور، والأمل، والسرور، وأعتقتها !.

*25

            نعم، كان هناك بضع حواجز لا تزال قائمة بعد، ولكنها حواجز يمكن إزالتها مع مرور الزمن.

            الآن فهمتُ أن لكل شيءٍ اسماً، وقدّم لي كل اسمٍ قاعدةً لفكرة جديدة. آه، ما أشدّ ما أشعرُ ياللهفة لكي اتعلَّم !

            وبينما نحن نسير في طريق العودة من عند البئر كنت أشعر أن كل شيء لمسته يبدو وكأنه يعود إلى الحياة. لماذا؟  لأنني بتُّ أنظر إلى كل شيء نظرة غريبة وجديدة معاً. وعندما دخلت البيت تذكَّرت الدمية التي كنت قد حطَّمتها. فتحسَّست طريقي إلى المدفئة وبحثت عن قطعها هناك، ثم حاولت جمعَها من جديد. لكنني لم أنجح في ذلك. وعندها فاضت عيناي بدموع الأسى وشعرتُ بحزن حقيقي من جرّاء ما فعلت. " ما أسهل التحطيم.. لكن ما أصعب الجمع على العميان.." هذا ما قلته في نفسي، وهو ما أظنه صادقاً.

الجمال يهزم الرعب

            إنني أذكر أحداث صيف سنة 1887 الكثيرة التي أعقبت استيقاظ روحي. كنت أتفّص الأشياء بيديّ باستمرار وأتعلم أسماءها. وكلما ازداد تعاطيَّ للأشياء وازدادت بالتالي معرفتي باستخدامها، تضاعفَ شعوري بالاتحاد مع بقيّة العالم. إن العالم اندماجٌ فيه أيها المُبصرون..

            عندما أهلَّ فصل الربيع حضرت الآنسة سوليفان فأخذت بيديَّ لنسير عبر الحقول، حيث كان الرجال يقومون بتحضير التربة لزرع الحبوب. ثم إنها قادتني إلى ضفاف النهر. وهناك، تلقّيت أوَّلَ دروسي عن عطف الطبيعة وكرمها، فيما كنت جالسة على الحشائش الدافئة.

*26

يومذاك تعلّمت كيف أن المطر يجعل الأشجار تنمو، وأن الكثير من ثمرِها صالح للطعام. كما تعلَّمتُ أنها شيء سارٍّ عند النظر إليها، وأن الطيور تبني أعشاشها فوقها. بل لقد نُقل إليّ كيف أن الأسد، والأيْل، والمخلوقات الأخرى تجد الطعام والمأوى في الأشجار المتجمّعة. وعندئذٍ شعرت أكثر وأكثر بهذا العالم المبهج الذي أعيش فيه.

            وهكذا قبل وقت طويل من تعلُّمي الأعداد أو وصفِ شكل الأرض، كانت الآنسة سوليفان قد علّمتني كيف أجد الجمال في الغابات ذات الرائحة الحلوة، في كل نوع من النبات والأشجار، بل وفي شكل يد أختي الصغيرة وجمالها. إذن بدا لي العالم جوّاً مملوءاً بآيات الجمال.

            وفي حوالي هذا الوقت حصَلت لي تجربةٌ علَّمتني أن الطبيعة ليست كريمة دائماً. ففي ذات يوم كنت أنا ومعلِّمتي عائدتين من نزهةٍِ طويلة، وكان الصباحُ جميلاً في ذلك اليوم. إلا أنه أخذ يتحوَّل إلى حارّ وساكن. وعندما أدرنا وجوهنا في طريق العودة إلى البيت، توقّفنا ثلاث مرَّات للاستراحة تحت شجرة فاكهة على مسافة من البيت. وكان الظل مريحاً والشجرة سهلة التسلُّق. وبمساعدة معلِّمتي تمكنت من تسلُّقها والوصول إلى مقعد بين أفراعها.  وهناك كان الطقس بارداً فوق الشجرة، حتى إن الآنسة سوليفان قالت إنها ستذهب إلى البيت لإحضار شيءٍ ما لأجل الغداء. وقد وعدتُها أن أظلَّ هادئة أثناء غيابها.

            لقد شعرتُّ بتغيير مفاجئ وأنا فوق الشجرة، إنني لم أعُد أشعر بحرارة الشمس. أحسَست السماء قد غشِيَتْها الظلمة.. إذ كانت حرارة الشمس عندي هي الضوء. وظهرت رائحة غريبة من الأرض من النّوع

*27

الذي كنت أعلم دائماً أنه ينشأ قبل حدوث العاصفة. فأحسَست بأنني وحيدة، عاجزة في هذا الكون، وانتابني إذ ذاك خوفٌ عظيم، وبقيت أترقّب عودة معلِّمتي بلهفة كبيرة.

كان هناك فترة من السكون، بََدأتْ بعدها الشجرة بالاهتزاز، وذلك بفعل الرياح التي أخذَت تهبّ بشكل متزايد وعنيف. وكان يمكن أن أسقط أرضاً لو لم أتشبّث بأغصان الشجرة بكل ما أملك من قوة. وفي الوقت الذي كنت أتوقّع سقوط الشجرة وسقوطي معها، إذ بيَدِ معلمتي تمسك بي وتساعدني على الهبوط إلى الأرض. وأمسكتُ بيدها، وأنا فرحة بنجاتي وبوجود الأرض تحت أقدامي مرة أخرى. لقد تعلمت درساً جديداً.. وهو أن الطبيعة يمكن أن تكون مخيفة وقاسية مثلما هي حنونة وكريمة.

ثم مضى وقت طويل بعد هذه التجربة قبلَ أن أتسلَّق شجرة أخرى. كانت الفكرة بحد ذاتها تملأني رعباً، لكنه زايلَني فيما بعد. وكان ذلك بفضْل شجرة تغطيها أزهارٌ ذات لون أصفر جميل. لم يكن هناك، حسب اعتقادي، منظر في العالم يفوق في جماله منظر تلك الشجرة، وهكذا وضعتُ قدمي فوق فسْحة عريضة بين الأفراع، ورفعت نفسي إلى داخل الشجرة. وعند ذلك تملَّكني شعور مفرح. كيف لا، وها أنا وصلت الى مقعد صغير كان يوجد في أعلى الشجرة، كأن أحداً ما قد بناه هناك قبل فترة طويلة جداً، حتى أصبح جزءاً من الشجرة نفسها. وجلست عليه طويلاً، وأنا أشعر وكأنني جنيَّة فوق سحابة ورديّة. فما ألذ مشاعري أثناء تلك الساعة.

*28

 

.

 

 

             

   

   

استيقاظ الروح

29*

            كنت أملِلك مفتاح اللغة الكامل الآن وأتلهّف لاستخدامه. إن الأطفال الذين يسمعون لا يعانون صعوبة في أن يتعلموا النطق، فهم يستوعبون الكلماتِ التي يستخدمها اولئك الذين بهم بطريقةٍ لا شعورية. أما الطفل الاصمُّ فهو يستوعب هذه الكلمات بشكل بطيءٍ وبطريقة مؤلمة في بعض الأوقات. ولكن، مهما كانت الطرق ألمستخدمة،  فإن النتيجة تكون دائما مدهشة. فمن تسمية قطعة أو شيءٍ ما نتقدَّم خطوة فخطوة، إلى أن يتم لنا اجتيازُ المسافة الطويلة التي بدأناها  بأول كلمة تعلَّمناها، فنبلغ درجة التفكير الواسع بمستوى شكسبير.

            كانت معلمتي تحدِّثني على الدوام. وحينَ يعرض لي معها الحديث عن شيء جديد كنتُ أسألُها بضعة أسئلة لا أكثر. كانت أفكاري يومذاك قليلة جداً، لا تزال بعيدة عن الصفاء، كما كان ما أختزنه من الكلمات قليلاً. أما بعد أن ازدادت معرفتي للأشياء، وتعلمت أكثر وأكثر، فقد اتَّسع مجالا لاستفسار عندي وأصبحت أعود إلى نفس الموضوع مرّات عديدة. هذه كلمة "حب"  مثلاً.. ما أحلاها وما أصعبها!

            إنني أذكر ذلك اليوم الذي سألت فيه للمرةِ الأولى عن معنى كلمة

30*

"حب"، وكان ذلك قبل أن أتعلَّم كلمات كثيرة. كنت قد اكتشفت بعض الزهور القليلة في البستان وأحضرتها إلى معلمتي. فحاولَت أن تقبِّلني، ولكنني في ذلك الوقت لم أكن أرغب أن يقبّلني أحد غير والدتي. طوَّقتني الآنسة سوليفان بذراعيها وتهجأت في يديَّ "أنا أحب هيلين".

وسألتها (ما هو الحب ! )

فضمَتْني أكثر إليها وقالت : ( هو هنا )، وأشارت إلى موضع القلب عندي. وشعرتُ بخفقاته للمرَّة الأولى يومذاك. وأدخلتْ كلماتها الحَيْرةَ إلى قلبي، فلم أكن أفهم شيئاً إلاّ إذا لمسته، ولا يمكن أن ألمسها في جوفي، فماذا أفعل ؟

شممتُ الزهور التي كانت تحملها، وسألتها.. وكان نصفُ سؤالي بالكلمات والنصف الاَخر بالإشارات، وكان سؤالي يعني، (هل الحب هو جمال الزهور؟)

فأجابتني معلَََّمتي.. ( كلا ).

وأعدتُ التفكير مرّة أخرى. وكانت الشمس تغمرنا بأشعتها اللطيفة.. (هل هذا ليس حباً؟)

سألتُ ذلك، وأنا أشير إلى المكان الذي كانت تأتي الحرارة منه.

(هل هذا ليس حباً؟)

لقد بدا لي أنه لا يمكن أن يكون هناكَ جمالٌ أكثر من جمال الشمس. إن حرارَتها تساعد في نموَّ جميع الأشياء، ويجب أن يكون هذا

31*

هو الحب. لكنّ الآنسة سوليفان أجابتني بالنفي، فغدوتُ مرتبكةً وغير راضية. وقد تَبادر إلى ذهني أن من المستغرَب أن تكون معلَّمتي عاجزةً عن أن توضح لي ما هو الحب، فظللت أفكَّر.

وبعد يومين كنت جالسة أجمع حبّات الخَرَزِ مختلفة الأحجام في مجموعات – خرزتين كبيرتين، ثلاث خرزات صغار.. وهكذا. ولقد وقعتُ في أخطاء كثيرة آنذاك، فكانت الآنسة سوليفان توضح لي تلك الأغلاط بِرفق ثم تصحّحها. وفي النهاية، تمكّنتُ أنا بنفسي من اكتشاف إحدى الغلطات، فتوجَّه انتباهي إلى الدرس وحاولتُ التفكير كيف يتوجب عليّ أن أنظم الخرزات. ولمست الآنسه سوليفان جبيني وتهجأتْ – بكل حزمٍ كلمة : (فكَّري).

وعلى الفور أدركت أن هذه الكلمة تعبرَّ عما كان يدور حقيقة في رأسي. وهكذا أصبحت أعرف أنه يوجد هناك كلماتٌ تدل على الأفكار مثلما أن هناك أخرى تدل على الأشياء. آه..إذن فالعالَم فيه شيءُ لا يمكنني أن ألمسه !

وبقيتُ ساكنةً لفترة طويلة من الوقت. لم أكن أفكر أثناءها بالخرز، بل كنت أحاول أن أجِد معنى لكلمة (حب) بمساعدة اكتشافي الجديد.

كانت الشمس محتجبةً طوال ذلك النهار، وكان هنالك القليل من زخّات المطر. لكنها أشرقت في تلك اللحظة بكل جمالها. ومرَّةً أخرى سألتُ معلمتي، ( هل هذا ليس الحب؟) فأوضحت لي بكلمات بسيطة :

32*                  هيلين في درس في الحديقة

(أنت تعلمين أنه ليس باستطاعتك أن تلمسي الغيوم ولكن بوسْعك أن تشعري بالمطر. وأن تعلمين لماذا يكون فرح الأزهار والتربة حين تستقبل المطر بعد يومٍ حارٌ، لكنه لا يمكنك أن تلمسي الحب أيضاً، إنما تشعرين بالعذوبة التي يسكبها في كل شيء. فبدون الحب لا تكونين سعيدةٌ ولا تكون لديك رغبة في اللعب).

ولمعت هذه الحقيقةُ الحلوة في ذهني – وشعرت أنه يوجد هناك خطوط غير مرئيَة تمتدُّ بين روحي وأرواح الآخرين. وما أبهى لحظات الاتصال بين الإنسان وأخيه !

هل أنا طفل عادي

منذ بدء دراستي ثابرت الآنسةً سوليفان على أن تتحدث معي كما لو كانت تتحدّث مع طفلٍ آخر(يسمع) وكان الفارق الوحيد عن تلك

33*

الحال هو أنها كانت تتهجّأ الجُمَلَ في يديَّ بدلاً من التفُّوه بها. وحين لا أحفظ الكلماتِ والتعابير الضرورية للتعبير عن أفكاري، كانت الآنسة سوليفان تزوَّدني بها وأنا أحتفظ بها عميقة في ذاكرتي. وقد واصلت الآنسة سوليفان عملها بهذا الشكل لسنواتٍ عديدة. ما أعظمَ فضلها عليَّ.. وما أشدّ صبرها! ذلك أن الطفل الأصم يحتاج إلى أشهرٍ بل سنواتٍ حتى يستوعب التعابير والكلماتِ التي لا حصر لها.. مع أنها تُستخدم في أبسط محيط عائلي.

إن الطفل القليل (السمع) يتعلم من التكرار المتواصل ومن محاكاته للآخرين في استخدامهم اللُّغة. وهو يصغي إلى الناس وهم يتكلَّمون في بيتِه، فيوقظ ذلك ذاكرته ويقدَّم له عوناً كبيراً في إقامة التعبيرات الطبيعية عن أفكاره. لكنّ طبيعة: خذْ وأعطِ، للأفكار، عمليةٌ غير ممكنة بالنسبة للطفل الأصّم. وهذا ما وَعَتْهُ معلَّمتي تماماً، فصمَّمت على أن تمنحني من صبرها كل ما أحتاج إليه. ولقد حاولَت مساعدتي عن طريق الترديد، وإلى أبعد حدّ ممكن، كما سَعَتْ إلى إطلاعي كيف يمكنني أن أشارك في الأحاديث اليومية. ولكنَّني لم أتجرَّأ على التكلُّم حول أي موضوع قبلَ مرور فترة طويلة من الوقت وإلى أن أتمكَّن من إيجاد شيءٍ يكون مناسباً للقول في اللحظة المناسبة.

إن العميان يجدون من الصعب جداً عليهم أن يُبدوا أي ميل مبكَّر أو حيويَّة للكلام، ولكن هذه الصعوبة تكون أعظم بكثير عند من يكونون صُمّاً وعمياناً. فهم لا ينتفعون بتغيُّرات صوت المتحدَّث، ولا التعبيرات المتغيَّرة على وجهه. وهذه نكبة كبيرة.

34*

الدرس من الكتب ومن الحياة

كانت الخطوة الثانية بعد استيقاظ روحي هي محاولة تثقيفي، أيْ أن أتعلَّم القراءةِ. فما كدتُ أتقِن تهجئة كلماتٍ قليلةٍ حتى قدّمتْ لي

معلَّمتي قطعاً ضيَّقة من الكرتون عليها حروفٌ مطبوعة بشكل نافر. وسرعان ما تعلَّمت أن كل كلمة مطبوعة هناك تعني شيئاً أو عملاً، أو تروي شيئاً ما عن هذا الشيء أو ذاك.

كان لديَّ إطار جعلتُ أرتَّب فيه الكلمات في جُمل صغيرة. وكنتُ قبل أن أضع تلك الجُمَل في داخل الإطار أقابلها بالأشياء التي تدلُّ عليها. لقد وَجدتُ قطع الكرتون المطبوع عليها، (دمية) مثلاً، ثم كلمات : (هي) (فوق) (الفراش) فجعلت أضع كل اسم فوق الشيء الذي يرمز إليه. هكذا وضعت دميتي على الفراش، ثم وضعت الكلمات مرتبة إلى جانب الدمية. وبهذة الطريقة واصلت مقابلة بقيَّة الجُمَل مع الأشياء نفسها.

وفي ذات يوم وضعت كلمة (فتاة) على تَنُّورتي ووقفت داخل الخزانة. ثم وضعت من الرّف كلمات أخرى هي : (هي)،(في)،(الخزانة). إنها مجرد لعبة، لكنّه لم يكن يسّرني شيء أكثر من هذه اللعبة !!

ليس هناك سوى خطوة واحدة فقط من الكرتون النافر إلى الكتاب المطبوع. وها أنا أتناول كتابي ( القراءة للمبتدئين ) وأبدأ في البحث عن الكلمات التي أعرفها. وعندما وجدتها، كان سروري مثل ذلك الذي

35*

أشعر به في لعبة التخفَّي. وهكذا بدأتُ القراءة. أما الوقت الذي بدأتُ فيه قراءة قصص حقيقيَّة فسوف أتحدّث عنه فيما بعد.

ولقد بقيتُ دون دروس منتظمة لفترةٍ طويلةٍ. وحتى عندما كنت أتعلَّم بكل لهفةٍ كان يبدو ذلك لعباً أكثر منه واجباً وعملاً. فكلُّ شيءٍ علَّمتني إياهُ الآنسه سوليفان إنَّما أوضَحت لي إياه في صورة قصةٍ أو شِعرٍ جميل.وإذا ما سرّني شيء من هذه القصص أو لَفَتَ اهتمامي إليه، كانت معلَّمتي تبحث معي فيه كما لو كانت هي فتاة صغيرة.

والحقُّ أنه لا يمكنني إيضاح الفهم الغريب الذي كان لدى الآنسه سوليفان لمتعاتي ورغباتي. أتُرى ذلك كان بسببٍ من معاشرتها الطويلة للعميان ! لست أدري. أضفْ إلى ذلك أنها كانت تمتلك مقدرةً عجيبة على الوصف. وهذا هو ما يريدة الأعمى. ولم تكن تضايقني بالأسئلة لترى إن كنتُ ما زلت أذكر الدرس الذي تعلَّمته قبل يومين. إنها تريد أن أستوعب ما أقدر عليه.. لا ما تريدني هي أن أحفظه.

الدرس وسط الطبيعة

لقد قرأنا ودرسنا خارج البيت، مفضَّلين الغابات الطلقة المشمسة على الغرف المحصورة المعتمة. وفي ظلال الغابات تعلَّمتُ أن أفكَّر في أن لكلَّ شيءٍ معنىً وبمقدوره أن يعلَّمنا شيئاً ما. فالطيور والنحل، والزهور والأشجار، والضفادع والحشرات.. جميع هذه كان لها نصيب في تربيتي وتثقيفي. وكثيرا ما كنت أضمّ بين يديَّ الضفادع ذات الصوت المزعج، والحشرات الصغيرة الأخرى. فقد كنت أًحبّ

36*

وداعتها وملمسها الناعم كما أحببت لَمْسَ حبّات الحبوب الطريئة الحريرية. وفي الغابة شعرتُ بوشوشة الريح في آذان سنابل القمح وهمساتها لأوراق الأغصان.

كان من عادتي أن أستيقظ عند بزوغ الشمس وأتسلّل إلى البستان بينما يكون الندى يبلّل الحشائش والأزهار. قليلون هم الذين يعرفون كم هو سارٌّ أن يشعر الإنسان بالورود وهي تضغط برقّةٍ على يده، أو بتحركات الزهور الجميلة في هواءِ الصباح اللطيف.يا اللَّه ما ألذّها !!

أما الفواكة فكانت تنضج عندنا في باكورة شهر تموز، وكانت حبَّاتُ التّفاح تتساقط حولي كلما هبَّت عليها الرياح. فكنتُ أجمعها والسرور يملأ نفسي وأضعُها في حُرجي وأضمُّها إلى وجهي. ما أطيبَ ملمسها الناعم! أتُرى إني أشعُر بذلك لأنني عمياء؟

وكانت أكثر مسيراتنا متعةً هي تلك التي نذهب فيها إلى رصيف عائلة كيلر على ضفاف النهر. هناك كنّا نمضي ساعاتٍ ممتعة كثيرة. فأحفر مجاري الأنهر، وأُقيم الجدران من الطّين، وأصنع الجُزُر والبحيرات. كل هذا لأجل المتعة، فلم أحلُم أبداً أنني كنت أتعلم درساً جديداً بذلك. ثم إنني جعلت أُنصت بدهشٍ إلى وصف الآنسة سوليفان وهي تتحدث عن الدنيا المستديرة الواسعة بجبالها المحترقة، ومدنها المطمورة في الأرض، وأنهر الجليد المتنقلة.. والأشياء الاٌخرى. ومن أجل ذلك أقامت لي الآنسة سوليفان خرائط مرتفعة من التربة حتى أتمكن من تحسّس سلاسل الجبال والوديان، وأتتبع بأصابعي أخاديد الأنهار ومجاريها.

37*

وهكذا ومن خلال اللعب كنت أتعلم أشياء قيَّمة في الجغرافيا. ولأنتقل الآن إلى علم الحساب.

لقد بدا ان علم الحساب هو الموضوع الوحيد الذي لم أحبه على الاطلاق. فمنذ البدء كنت قليله الاهتمام بالأعداد. وقد حاولت الآنسه سوليفات تدريبي أن أحسب بواسطه خرزات جمعت لي اياها في خيط رفيع، عن طريق اقامه قضبان صغيرة تعلمت أن أجمع وأطرح لكنه لم يكن علي ازعاج نفسي في تنظيم أكثر من خمس أو ست مجموعات في مرة واحدة، وعندما كنت أتم ذلك كان شعوري بهذا العمل مرضيا.

أرسل لي ذات مرة سيد نسيت اسمه الآن مجموعه من الصدف الصغير ذات رموز جميله، وبعض قطع من الحجر الرملي عليها علامات أقدام الطيور،ونبته مزروعه جميله. غكانت تلك الأشياء هي المفاتيح التي فتحت أمامي كنوز العالم المغلقه. هذا العالم الذي لم يكنيقطنه الانسان فقط، بل الحيوانات الضخمه المرعبه، التي تمزق فروع الأإشجار الباسقه من أجل أن تفوز بما يملأ أجوافها.  غير ان هذه الهدية آذتني فعلًا. فقد ظللت لمدة طويلة ارى هذه المخلوقات الغريبة في منامي. وهكذا شكّلت خلفيةً مظلمة لحاضري المفرح المملوء بأشعة الشمس، والورود، وضربات حوافر حصاني الصغير اللطيفة.

تعلّمت أشياء كثيرة مفيدة عن حياة "بنات البحر" وقد تملّكني أعظم الدهشة والسرور عندما سمعت عن الصدفة الجميلة المسماة "اللؤلؤة"، وعن المخلوقات الصغيرة (المرجان) التي أقامت الجُزُر الجميلة التي

 

*38

يعيش عليها الناس. ولقد أوضحت لي الآنسة سوليفان بأننا نستخدم تعبير "لآلئ من الأفكار" عندما تكون لدينا أفكار والجمال. وقد سألت: كيف يتكاثر حيوان المرجان؟ فأدى ذلك الى موضوع نموّ النبات. وقد قيل لي: من الجذور تنمو أوراق خضراء، وبعدها تبرز البراعم، وفي النهاية تظهر زهور متكاملة.

ما هذا الترتيب المنتظم! من الصغير الى الكبير ثم الى الصغير من جديد! لقد أعجبني نمو هذه النباتات وابتهجتُ بكمالها.

ومن النباتات انتقلت دراستي الى الضفادع. فقد أحضروا لي أحد عشر مخلوقًا صغيرًا كنت أضعها داخل ابريق زجاجي، وأبقيه   على افريز نافذة مملوءة بالنباتات. وانني لأذكر كيف أجريت اكتشافاتي في ذلك الحقل. لقد كانت تسليةً عظيمة لي عندما أضع يدي داخل الابريق لأتحسّس المخلوقات الصغيرة التي تسبح هناك. ها هي واحدة منها تقفز من الابريق الى الأرض. انني ألتمسُها.. آه لقد وجدتها. انها لا تزال حيّة. وهكذا أعدتها الى الماء. هناك رضيَ ذلك المخلوق أن يبقى الى ان أصبح ضفدعة كبيرة، ثم ذهب مع رفيقاته ليعيش في بحيرة عند طرف البستان.

وهكذا.. تعلّمت من الحياة نفسها. لقد كنت في البدء كتلةً صغيرة فقط من الامكانيات، وكانت معلّمتي عي التي راقبت نموّها وساعدت فيه. فعندما حضرت تحوّل كل ما حولي الي شيء ينطق بالحب والفرح، ويمتليء بالمعاني. لم تكن تدع فرصة تمرّ دون أن تبيّن لي الجمال الذي يوجد في كل شيء، ولم تتوقف عن المحاولة، بالفكر أو العمل أو المثَل، كي تجعل حياتي حلوة ومفيدة. فاحق، والحقُّ أقول: ان عقل معلّمتي وروحها الممتاوين، ثم تفهّمها السريع لي وحكمتها المحبّة.. هي التي جعلت أولى سنوات تعليمي جميلة للغاية.

كانت تعلم أن عقل الطفل يشبه جدولًا صغيرًا، فهو في حاجة الى التغذية كي يتوسّع فبتحوّل الى نهر عميق.

وبامكان أي معلّم أن يأخذ طفلاً الى غرفة التدريس، ولكن ليس بمقدور كل معلم أن يجعله يتعلم. فهو لن يُقبل على الدرس الاّ اذا كان مسرورًا.

ان من الواجب أن يشعر الطفل بنشوة الانتصار وكآبة الفشل،قبل أن يحاول برضاه، القيام بعمل يكون مكروهًا لديه، كالدراسة، ثم يقرر أن يشقّ طريقه في الحياة بشجاعة.

 

 

*40

عيد الميلاد

كان أول عيد للميلاد بعد حضور الآنسة سوليفان حدثًا عظيمّا بالنسبة اليّ. وكان كل فرد من أفراد العائلة قد خبّأ لي مفاجأة ما. وكان أكثر ما سرّني أنني اشتركت مع الآنسة سوليفان في القيام بتحصير مفاجأة للجميع. انها سريّة الهدايا التي أحضرتها لهم.. عي التي كانت تثير في أعماقي أعظم السرور والتسلية. وأما أصدقائي فقد عملوا كل ما في وسعهم لاثارة فضولي عن طريق التفوّه بجمل ناقصة، يتظاهرون بالتوقف عن تكملتها في الوقت المناسب. عذه هي لعبة الحدس والتخمين، وهي التي واصلتُ ممارستها مع معلّمتي فيما بعد، والتي علمتني استخدام اللغة أكثر مما فعلت ذلك الدروس المجهّزة.

في ليلة عيد الميلاد دعاني أطفال "تسكمبيا" لرؤية شجرتهم. وذهبت الى غرفة التدريس، حيث كانت الشجرة الجميلة تنتصب وسط الغرفة وهي تتوهج تحت الضوء اللامع. كانت أغصانها مملوءة بالفواكه الغريبة المدهسة، وكانت سعادتي في تلك اللحظة تامة، حتى أنني أخذت ألرقص في جوانب الغرفة بفرح.

وقيل لي: ان هناك هديةً لكل طفل، فأصبحت مفتونة بذلك، وعلى الأخص عندما دعاني الأشخاص الذين قاموا بتجهيز هذه الشجرة لأقدّم الهدايا للأطفال بنفسي. ومع السرور الذي غمرني لأن أقوم بهذا

 

*41

العمل فانني لم أتوقّف عن التفكير في ما يخصّني من الهدايا. وعندما حان الوقت لذلك كانت رغبتي في عيد الميلاد الحقيقي قد أفقدتني السيطرة على نفسي تقريبًا. ولكنني أقنعتُ نفسي بالاكتفاء بما أتاني من هدايا الشجرة، وانتظار الهدايا الأخرى حتى الصباح.

في تلك الليلة علّقت جوربي على طرف الفراش انتظارًا للهدايا واستلقيت على فراشي، لكنّي بقيتُ مستيقظة لفترة طويلة. كنتُ أتظاهر بالنوم كي أرقب ما سوف يفعله "بابا نويل" عندما يحضر في تلك الليلة. وأخيرًا رحتُ في سبات عميق، بين ذراعيَّ دمية دبّ أبيض. آه من بابا نويل! لم أستطع أن أمسكه.

وفي الصباح التالي كنتُ اول من استيقظ في العائلة، فقمت بايقاظهم جميعًا وأنا أحيّيهم "ميلا سعيد". وقد وجدتُ مفاجآت، لا داخل الجراب فقط، بل فوق الطاولة، وفوق جميع المقاعد، وفي مدخل الغرفة وعلى النافذة.. وفي الحقيقة كان من الصعب عليّ السير دون أن أجد هدية من هدايا عيد الميلاد ملفوفةً بورق فضيّ. وعندما أهدتني معلّمتي عصفورًا أصفر جميلاً كان كأس سعادتي قد فاض.

كان "تيم" الصغير لطيفًا وشجاعًا، حتى انه كان يتناول علفه من يديّ. وقد علّمتني الآنسة سوليفان كيف أهتم به اهتمامًا عظيمًا، فكنت أجهّز له حمّامه كل صباح بعد أن يتناول فطوره، وأنظّف قفصه وأقدم له الطعام. لكن، واأسفاه.. غفلتُ عنه.

لقد تركتُ القفص مفتوحًا ذات صباح، وكان موضوعًا عند النافذة،

 

*42

صورة لهيلين كيلر تتسلم هدية عيد الميلاد

 

*43

وذهبت لاحضار ماءٍ لأجل حمّامه. وفي طريق العودة الى حيث كان العصفور شعرتُ بقطّة كبيرة تمر بجانبي خارجةً من الغرفة عندما فتحت الباب. لم أعلم في البدء ما حدث، أما عندما وضعت يدي داخل القفص ووجدته فارغّا، فقد أيقنت أنني لن أرى المغنّي الصغير الجميل مرّة أخرى. كانت القطة قد أبلغته. أليس في الحياة شياطين! بلى.. ان منهم تلك القطّة.. وبخاصة أنني عمياء، فلا أراها.

بوسطن ومدرسة العميان

كان الحدث المهم التالي في حياتي هو زيارتي لبوسطن 1888 وأنا في الثامنة من عمري تقريبًا. وما زلت أذكر الاستعدادات، والرحيل برفقة معلّمتي ووالدتي، وما جرى أثناء الرحلة، ثم أخيرًا وصولي الى بوسطن. كم تختلف هذه الرحلة عن تلك المخلوقة الصغيرة القلقة، المتهيّجة، التي تطلب اهتمام كل واحدٍ من المسافرين في القطار. كلا.. أبدًا.

لقد جلست بهدوء الى جانب الآنسة سوليفان، لأستوعب باهتمام جميع ما كانت تخبرني به عمّا تراه خلال النافذة: النهر الجميل والحقول.

وأخيرًا وصل القطار بوسطن.

هنا بدا لي وكأن احدى قصص الجن أصبحت حقيقة واقعة. أضحت كلمة "حدث ذات مرة" تعني "اللآن"، وهت هو البلد      " البعيد" أصبح "حيثُ نحن".

 

*44

ولم يمضي سوى القليل من الوقت حتى بدأت في اقامة علاقات صداقة مع الأطفال العميان. لقد سرّني جدًا أن أجدهم يعرفون الأحرف الهجائية اليدوية. كم هو سارٌّ أن أتحدّث مع أطفال آخرين بلغتي الخاصة! حتى ذلك الوقت كنتُ مثل غريب يتحدّث بمساعدة شخص ثالث، أما في هذه المدرسة، حيث تعلّمت لورا بريدجمن، فقد بتُّ أشعر وكأنني في بلدي. لقد كنتُ سمكة على الشاطيء، ـما الآن فها أنا "أثِب" في الماء!

والواقع أنه مرّ بعض الوقت قبل أن أستوعب حقيقة كون أصدقائي الجدد من العميان. كنتُ أعرف نفسي بأنني لا أبصر، لكنه لم يكن يبدو معقولاً أن جميع عؤلاء الأطفال الملهوفين، المحبوبين، الذين يتجمّعون حولي مسرورين بلَهوي ولعبي هم أيضًا من العميان!!

وما زلت أذكر المفاجأة والألم اللّذين شعرت بهما عندما لاحظت كيف أنهم يضعون أيديهم فوق يدي حين أتحدّث اليهم.. وكيف أنهم يقرأون الكتب بأصابعهم! لقد كنتُ أعتقد أنه طالما كان بامكانهم السمع فيجب أن يكون لديهم نقص في " حاسّة أخرى" غير البصر، ولم أكن أنتظر أن أجدهم، طفلا بعد طفل- تنقصهم نفس الموهبة الثمينة. ومع ذلك فقد شعرت أنهم سعداء حتى أنني لم أعد أشعر بالألم لأجلهم. لقد أزاله من نفسي ذلك السرور الذي كنت أحسّ به وأنل برفقتهم.

ان يومًا واحدًا قضيته مع الأطفال العميان أشعرني تمامًا وكأنني في بيتي معهم. كنت أخرج بلهفةٍ من تجربةٍ سارّةٍ الى أخرى فيما كانت

 

*45

الأيام تمر بسرعة. ولم أكن أصدّق أنه بقيَ هناك عالم غير "بوسطن" فقد كنت أنظر الى هذه المدينة على أنها أول العالم وآخره.

وفي بوسطن زرنا "بانكر هيل" وهنالك لقّنتُ أول درس في الجغرافيا. وقد أثارتني كثيرًا قصة "الرجال الشجعان"، التي سبق أن سمعتُها من قبل. أما الآن فقد أحسس ابها حقًا وصدقًا. أما قاتلَ هؤلاء بشجاعةٍ فوق الأرض التي كنّا نقف عليها الآن!

في اليوم التالي ذهبنا الى "بليموث" بطريق البحر، وكانت هذه أولى رحلاتي بسفينة بخارية، وأوّل مرّة أجد فيها نفسي فوق مياه المحيط. آه كيف كانت تملأهُ الحياة والحركة! ولكن هدير الآلات جعلني أعتقد أن هذا الهدير انما هو من الرعد، فساءني ذلك كثيرًا.. لقد قدّرت: اذا ما أمطرت السماء فلن يكون بمقدورنا أن نتناول طعامنا في الخارج. ويا لها من خسارة حينذاك!

وكان أكثر ما أثار اهتمامي في بليموث هي تلك الصخرة التي هبط فةقها آباؤنا المهاجرون. ان بامكاني لمسُها الآن، وربما كان هذا ما جعل مجيء المهاجرين وأعمالهم ومآثرهم العظيمة أكثر حقيقةً بالنسبة اليّ.

يا ربّاه ما أرقّ تخيّلاتي الصبيانية التي توهّجت بالاعجاب بهم! لقد اعتبرتهم أكرم رجال سعوا في اللجوء الى أرض غريبة عنهم، قدّرتُ أنهم كانوا يريدون الحرية لاخوانهم من البشر مثلما يريدونها لأنفسهم. لقد غمرتني الدهشة وانتابني الأسى عندما سمعت، فيما بعد، عن بعض تصرفاتهم، وعلمتُ أنهم لم يكونوا يُبدون الاحترام لأفكار الآخرين آرائهم.. وهذه احدى نقائصنا نحن، أبناء أولئك المهاجرين.

*46

عجائب المحيط

قبل أن تغلق مدرسة العميان أبوابها بمناسبة العطلة الصيفية، أتمت معلّمتي الترتيبات الضرورية لقضاء العطلة في "بروستر" برفقة صديقتنا العزيزة السيدة هوبكنز. وكنتُ مبتهجة بذلك، اذ امتلأت بالكسرّات المقبلة وبالقصص العجيبة التي سنعتها عن البحر.

والحقّ، أن أوضح ذكرى عندي الآن عن ذلك الصيف هو المحيط. لقد عشتُ دائما فوق اليابسة، وكان يندرُ أن أستنشق رائحة الملح وهواء البحر. أما الآن، فالأمر يختلف. قرأت في كتاب كبير اسمه "عالمنا" تفصيلات كثيرةً عن المحيط. فملأني بالاثارة والتعجّب، لكنني الآن مشتاقة للمس البحر والاحساس بهديره. هذا البحر الذي يسمّونه "الكبير".. أريد أن أذوب فيه!

لذا قررت أن أسبح. وجيء لي بملابس البحر، وساعدتني الآنسة سوليفان في ارتدائها. وما ان انتهيتُ من ذلك حتى قفزتُ فوق الرمال الدافئة، ثم وثبتُ الى المياه الباردة. وشعرت بالامواج وهي ترتفع وتهبط فانتشيتُ. وفجأة انقلب سروري خوفًا: لامست قدماي ظهر احدى الصخور المنخربة.. وفي اللحظة التالية كان هناك موجة فوق رأسي. وحاولتُ التمسّك بأية دعامة، ولكن كفاحي كان عديم الفائدة. ويبدو أن البحر قد ملّ من دميته الجديدة، فرمى بي الى الشاطىء غير متأسّف عليّ. وبعد لحظة أخرى، كنتُ بين ذراعي معلّمتي. وحالما استعدت قواي وتغلّبتُ على رعبي، وأصبح بامكاني الكلام- سألت الآنسة سوليفان بغضب: "من وضع الملحَ في الماء؟ لقد أفسد طعمه".

*47

لم يكن بالمستطاع البقاء البقاء طويلاً فوق الشاطئ فغادرناه. وما زلتُ أذكر انطباعي عن ذلك اليوم: كان طعم هواء البحر النقيّ المنعش مثلَ فكرة هادئة مطمئنّة، أما أصداف ونباتات البحر المغطاة بأصغر ما يوجد من المخلوقات الحيّة فلم تفقد سحرها أبدًا بالنسبة اليّ بعد أن تقدّمتُ في العمر.

 

ثم ان الآنسة سوليفان لفتت انتباهي ذات يوم الى شيءٍ غريب كانت قد عثرت عليه. ما هو؟ انه حيوان "سرطان بحري" كبير. وبعد أن تحسّسته تبادر الى ذهني أنه من غير المناسب أن يُجبَر على حمل بيته فوق ظهره. فقرّرت أن أحتفظ به، وهكذا أمسكت به بيديّ الاثنتين وحملته معي الى البيت. وفي الصباح التالي كان "حصرتُه" قد اختفى. آه لك يا ناكر الجميل!

*48

احداث بارزة

حياة المخيّم

عدتُ في الخريف الى بيتي في الجنوب بقلب يمتلئ بذكريات مبهجة. وعندما أستعيد في ذاكرتي زيارتي هذه الى الشمال، يملأني العجب بمجموعة التجارب التي كسبتُها وبنفاستها. ألا ان كنوز عالم جميل جديد طُرحت عند قدميّ، وأنا الآن أستوعب المسرات والمعرفة لدى كل خطوة. لقد عشتُ داخل الأشياء كلها. لم أهدأ ولو للحظة واحدة، ان حياتي مملوءة بالحركة مثل حياة تلك الحشرات الصغيرة الصغيرة التي تجسّد حياةً بأكملها في يومٍ واحد قصير.

لقد قابلتُ أناسًا كثيرين كانوا يتحدّثون معي عن طريق التهجئة في يدي، وكانت الفكرة تقفز بسرور لتقابل الفكرة، من عندهم ومن عندي. وهكذا كانت المواقع المقفِرة بين عقلي وعقول الآخرين تزدهر مثل الورود.

أمضيتُ أشهر الخريف مع عائلتي في كوخنا الصيفي الذي يقع على جبل يبعد أربعة عشر ميلاً من "تسكمبيا". وكان هناك سحر في المكان. كما كان على مقربة منه ثلاثة جداول صغيرة تمر من خلاله، هابطةً من الصخور العالية، تثب هنا وهناك كلّما وجدت الصخور تقف

*49

صورة لهيلين كيلر أمام البحر الكبير

*50

في طريقها. كان الجبل مغطّى بالأحراش. وكان هناك أشجار كبيرة دائمة الخضرة، أغصانُها كثيرًا ما كستها نباتاتٌ متسلقة. لكن.. أي كوخ هو!!

كان كوخنا نوعًا من المخيّم المقام عند قمة الجبل بين الأشجار الضخمة. وقد نظمت خيامه من كل جانب حول فسحةٍ مستطيلة مكشوفة. وكان هناك حول الكوخ فسحة واسعة مغطاة بالحشائش الجافة تصفّر فيها رياح الجبال، وتملأها رائحة الأحراش البريّة. هناك أمضَينا أكثر أوقاتنا- كنا نعمل ونأكل ونلهو. وكان عند الباب الخلفي شجرة عظيمة، تمّ بناءُ درجات حولها، أما في المقدمة فكانت الأشجار ترتفع قليلاً بحيث كان بامكاني أن ألمسها أشعر بالريخ تحرّك أغصانها.

وقد حضر الكثير من الزوّار الى كوخنا. وكان الرجال يجلسون أمام موقد النار. على تلك الصورة كانوا يروون القصص عن أعمالهم المدهشة مع الطيور، والأسماك، والمخلوقات التي تسير على أربع وكنتُ أنصت باحترام، ويتبادر الى ذهني أن أسرع الوعول واشرس الأسود والدببة لا بد وأن تفرّ هاربة أمام هؤلاء الصيادين الجريئين. "صيدٌ جيد" هذه تحيّتهم المسائيّة التي كانوا يطلقونها، عندما تنقضّ جلساتهم ويذهب كلٌّ منهم الى فراشه لينام. وكانوا ينامون في الرواق خارج باب غرفتنا، فكنت أشعر بتنفس الكلاب وأصحابها ةهم يرقدون فوق فراشهم البسيط.

كنت أستيقظ عند الفجر على رائحة القهوة، وهمهمة الأصوات،

*51

ووقع أقدام الرجال الثقيلة وهم يسيرون متنقّلين، يعدون أنفسهم بصيد ثمين. كذلك كنت أدرك ضربات قوائم الخيول القلقة، اذ كان من عادة الرجال أن يغادروا البلدة على ظهر خيولهم.

وفي وقت متأخر من الصباح ذات يوم جهّزنا أنفسنا للقيام برحلة خارج الكوخ وتناول الطعام في الهواء الطلق.. ومشَينا بعيدًا حتى وصلنا أجمة على تلّة واطئة. وهناك أقمنا موقدًا للنار في جوف حفرة عميقة في الأرض، ووضعنا قضبانًا كبيرة على باب الحفرة، ثم علّقنا اللحم عليها كي نشويَه. وقد جعلتني رائحة اللحم أشعر بالجوع قبل تخضير المائدة بوقتٍ طويل.

وعندما بلغ الحماس ذروته ظهر الصيادون.. رجالاً وخيولاً، وكلابًا.. تعِبين جدًا وغير راضين، لأنهم لم يكونوا قد تمكّنوا من اصطياد شيءٍ. لقد أعلن كل واحدٍ منهم أنه رأى وعلاً على الأقل، وأنه تقدم الى مسافة قريبة جدًا، أما عند سماع الطلقة فانه لم يَرَ شيئًا.

والحقيقة أنهم كانوا يشبهون ذلك الولد الصغير الذي قال انه رأى أرنبًا بينما رأى آثار أقدام الأرنب.

وقد اصطحبت في احدى العطل الصيفية حصانًا صغيرًا كان لي، أطلقت عليه اسم "الجمال الأسود". وكان هذا اسمًا لحصانٍ في قصةٍ قرأتها منذ زمان طويل.وقد جعلت لحصاني سترة سوداء لامعةً، ونجمة بيضاء فوق جبينه- تمامًا مثل "لجمال الأسود" في القصة. وكثيرًا ما كنت أركبه.. أما في الأيام التي لم أكن أرغب فيها فكنتُ أسير برفقة

*52

معلّمتي في الأحراش. هناك كنا ندع أنفسنا نتيه بين الأشجار والنباتات المستقلة.. لكنّا دائمًا نعود الى الكوخ وأيدينا ممتلئة بالأزهار الجميلة.

وفي بعض الأوقات كنت أخرج برفقة ميلدرد وبعض أصدقائها الصغار لنجمع الفواكه والفستق.

وكنت أحب بعضها لرائحتها الجميلة وأحب البعض الآخر لطعمه اللذيذ. وكان في أسفل الجبل أحد خطوط السكة الحديدية ، فكُنّا نحن الأطفال نرقب القطارات وهي تمر من أمامنا والسرور يملأ قلوبنا. وأحياناًَ ما كانت صفّارات القطارات تجعلنا نهرب إلى الدرجات ، ثم تخبرني ميلدرد وهي مهتاجة أن بقرةً أو حصاناً قد سار فوق الخط.

وعلى حوالي ميل واحد تقريباً كان هناك جسر مقام فوق وادٍ عميق. وكان من الصعب جداً السير فوق هذا الجسر. ولم أكن قد مررت فوقه حتى الآن ، إلى أن فقْدنا طريقنا ذات يوم ، وكنت برفقة الآنسة سوليفان وميلدرد.

وفجأة أشارت ميلدرد بيدها الصغيرة وصرخت : ( ها هو الجسر! ) والواقع أننا كنا نفضّل أن نسلك أي طريق آخر ، إلا أن الوقت كان متأخراً وقد بدأت الظلمة تعمُّ المكان. فبات عليّ أن أتحسّس موقع الخطوط بأقدامي ، ولكنني لم أكن خائفة.. وواصلت السير بشكل جيد إلى أن سمعْنا فجأةً مقدم القِطار. وصرختْ ميلدرد : ( إنني أرى القطار). وكان يمكن أن يجتاحنا لو لم نسرع بالهبوط إلى أسفل ، فيما كان القطار يسير فوق رؤوسنا !! ولقد شعرتُ بحرارة النار ، والدخان ، وغبار الفحم الذي دخل في عيوننا وأفواهنا. وذهب القطار.. واهتزَّ الجسر ،

53*

حتى اعتقدت أننا سوف نسقط في الوادي. وأخيراً وصلنا البيت بعد حلول الظلام بفترة طويلة ، وهناك وجدْنا الكوخَ فارغاً ، إذ كان جميع أفراد العائلة قد خرجوا للتفتيش علينا.

عاصفة ثلجية

بعد عودتي من بوسطن كنت أقضي الشتاء في الشمال. وقد ذهبتُ مرة إلى قرية وجدتُ فيها بعض البحيرات المتجمّدة وحقول الثلج العظيمة. وهناك سنحتْ لي الفرصة لأن أكتشف كنوز الثلج. وأدهشني أن اكتشفتُ أن يداًَ خفيّة قد جرّدت الأشجار والأجماتِ من أوراقها ، وأن الطيور قد هجرت أعشاشها فوق الأشجار العارية المكسوة بالثلوج. إنه الشتاء.. وها هي الأرض خامدةٌ بسبب لَمْسَتِه الجليدية. وحتى عندما تشرق بنورها فإنها لم تكن تؤثر في برودة النهار.

وانقضى يومٌ كان ينذر هواؤه البارد بهبوب عاصفة ثلجية. وقد أسرعنا إلى الخارج لنلمس أول مَطرة ثلجية وهي تتساقط. ما أروعها ! لقد استمر سقوط الثلوج بسكون ورِفق ساعةَ بعد ساعة ، وأصبحت الأرض مستويةً أكثر وأكثر. وفي الصباح كان من الصعب على المرء أن يتبين أي شيء حول البيت.إن جميع الطرق قد اختفت ولم يعد هناك علامةٌ واحدة يمكن رؤيتها. هذا هو التَّيه في الحياة.. فهل هو جميل !

وفي المساء هبّت رياح شمالية شرقيّة عصفت بالثلوج وذرّتها في جميع الاتجاهات. وفي تلك الليلة تحلّقْنا حول نارٍ عظيمة نتسلّى.. ولم نعد نذكر أننا فقدنا اتصالنا مع العالم الخارجي.آه من تلك الفترة! لقد

54*

ظلّت الرياح تعصف البيت طيلة ثلاثة أيام ! وفجأة توقف تساقط الثلوج وبزغت الشمس من خلال الغيوم مرسلةً أشعتها على أرض بيضاء مبسوطة.

والآن.. كان علينا أن نخرج.

وهكذا تم حفرُ ممراتٍ ضيقة لنتمّكن من استخدامها في خروجنا من البيت وارتديتُ سُترتي وقبّعتي ومعطفاً ثقيلاً من (الشجاعة).. ثم خرجت. وعند طرف مرعىً واسع كانت أشعة الشمس تتراقص فوق الأشجار الساكنة البيضاء ، حتى أن الأغصان المتجمدة كانت تبرق مثل الماس. ما أجمل ضوء الشمس ! لقد كان لامعاً إلى درجة جعلني أشعر وكأنه يخترق حجب الظلمة التي تحجب النور عن عينّي.

ومع مرور الأيام كانت التلال الثلجية تتناقص ، وتُضْحي أصغر مما كانت عليه في السابق ، وكانت الأشجار تفقد ثوبها الجليدي في بعض الأوقات. أما البحيرة فقد ظلّت متجمّدة وصلبة تحت أشعة الشمس.

ولقد تمتّعنا أثناء ذلك الشتاء بالتزلج ، إذ كان الشاطئ في بعض المواقع مرتفعاً ارتفاعاً شاهقاً فوق حافة المياه. ها أنا أتذكّر كيف كنّا نعتلي مِزْلَقَتَنا ، ثم يقوم أحد الأولاد بدفعها إلى أسفل. آه..إنني أصرخ.. ما أشد ما تنحدر الزلاَّجة.. إنه خطر.. لكنّنا كنا مبتهجين ، حتى أننا في إحدى اللحظات قطعنا السلسلة التي كانت تربطنا بالأرض وتشابكت أيدينا مع الرياح.

55*

تعلّم النطق

  

في سنة 1890 ، تعلَّمت النطق. كنت في العاشرة من عمري ، عندما فاجأت الآنسة سوليفان حين طلبتُ منها – كتابةًَ – أن تدرَّبني على إسماع صوتي للعالم!.. كانت لديّ رغبة دائمة في أن أطلق أصواتاً قوية. وكنت أثير الضجيج، فأضع إحدى يديّ فوق حنجرتي ، بينما أتحسَّس باليد الأخرى حركاتِ شفتّي. كما كنت أبتهج بأي شيء يصدر عنه صوت ، ويسرُّني الاستماع إلى صوت الهرة ونباح الكلب. هذا كله قبل أن أفقد نظري وسمعي ، لكنني بعد أن أصابني المرض وجدت نفسي وقد عجزت عن النطق... ولم أعدْ أسمع ما يقال لي.

وهناك كلمة ما زلت أذكر معناها حتى الآن ، وهي كلمة (ما) أو (وا-وا). وحتى وأنا صغيرة كنتُ أعلم أن الأشخاص المحيطين بي يستخدمون طريقة تختلفُ عن تلك التي أستخدمها عندما يتحدّثون إلى بعضهم بعضاً ، وكنتُ أشعرُ بعدم الرضى من الوسيلة التي كنتُ أملكُها للتعبير عن نفسي. لكنني لا


أعرف أفضل منها. وأخيراً قرأتُ قصة تلك الفتاة النروِجيّة المشهورة( راجهيلد كاتا ) في مجموعة قصص للأطفال مكتوبةٍ للعميان. فسرح خيالي ، وملأ الأملُ آفاقه البعيدة.وشعرتُ أنني أيضاً أستطيع النطقَ إذا شئتُ ، وإذا وُجِدَ من يدرَّبني عليه ! ولمَّا كانت هذه الفتاةُ قد تعلَّمت النطقَ في سنة 1890 ، فقد صرتُ أنا على أحرَّ  

56**

من الجمر، ولم يهدأ لي بالٌ حتى أخذتْني الآنسة سوليفان الى "جيسي فوللر" لاستشارتها وطلب مساعدتها. وكانت هذه السيدة الكريمة مديرة لأحد المعاهد الخاصة بتعليم العميان. وقد أخذت على نفسها مهمّة تعليمي النطق.

ابتدأت الآنسة فوللر عملها بالطريقة التالية: رفعت يديّ وجعلتني أمرٌ بها برفق على وجهها، وأتحسّس موضع شفتيها ولسانها بينما كانت تتحدّث. فاشتاقت نفسي الى أن أقلّد كل حركة من حركاتها في كل لحظة. وفي ساعةٍ واحدة تعلّمت ستة أصوات. وليس يمكنني نسيان الدهشة والسرور اللذين شعرت بهما عندما نطقتُ بأول جملة كاملة "الجو الدافئ". نعم انها كانت غامضة ومتقطّعة، ولكنّها كانت كلمات انسان حرّر نفسه من سجن الصمت الرهيب- حيثُ لا كلمة محبّة ولا عبارة مودّة- الى دنيا الناس حيث ترنّم الشفاه أناشيد الحبّ وأحاديث القلوب!! وأظنّه ليس بمقدور أي طفل ابكم واصل محاولة النطق بكلمات لم يكن قد علم عنها شيئاً من قبل-  ثم خرج من هذا الشخص الرهيب- أن ينسى نشوته لحظة نطق بأولى كلماته. مثل هذا الشخص فقط يمكنه أن يتصوّر شعوري باللهفة وانا أتكلّم االى لعبتي، بل الى الأحجار، والأشجار، وحتى الطيور والحيوانات. ويجب أن لا يفهم من ذلك أنني استطعت النطق حقيقةً بمثل هذا الوقت القصير: لقد تعلّمت فقط مطلع الجمل. كذلك ليس من الصحيح أنني واصلت اتمام هذا العمل بنفسي. فالواقع ان الطريق كانت وعرة والعثرات كثيرة.. لكن ارادتي من جهة ومساعدة الآنسة سوليفان من جهة أخرى- أدتا الى تخطّي جميع العثرات.

*57

ولأنقل هنا ما اظن انني فكّرت في كتابته في مذكّراتي عن ذلك: "كان الامل يحفّزني على الاستمرار في الجهاد، وكثيرًا ما كنت أردّد في باطني بفرح كثير: لست بكماء الآنّ! حتى أختي الالصغيرة سوف تفهمني. كما كنت أفكّر بمتعة التحدّث الى والدتي وقراءة اجوبتها من شفتيها".

ولقد دهشت عندما وجدتُ كم هو أسهل أن أتكلّم من أن أتهجّأ بأصابعي. لذلك فانني توقّفت عن استخدام الاحرف الهجائية اليدوية، الا مع الآنسة سوليفان. وهنا يجب أن أتوقّف لايضاح الطريقة التي نستخدمها في قراءتنا للأحرف الهجائيّة اليدوية التي يستخدمها البُكم عن طريق يدٍ واحدة فقط.

فأنا أضع يديَّ فوق يد المتكلّم برفقٍ كبير لكي لا اعوق حركتها بأي شكلٍ من الأشكال. ووضع اليد هذا يسهّل الاحساس كما تسهّل الرؤية. فأنا لا اتحسّس كل حرفٍ أطول مما تنظر أنت لكل حرفٍ بمفرده عندما تقرا. لماذا؟ لأن الممارسة المستمرة تساعد الأصابع على أن تتخرّك بسهولة كبيرة. ولأعُد الآن الى النطق:

بعد ان تعلّمت النّطق اصبحت في أشدذ الشوق الى العودة الى البيت. وأخيراً أتت أسعد فترة في حياتي، يومَ وجدتُ نفسي في طريق عودتي الى اهلي. أثناء ذلك كنت اتحدّث باستمرار الى الآنسة سوليفان، وأنا أشعر أنني خُلقت خلقًا جديدًا، وأنني سأُدهش أهلي وأُدخل الفرح الى  

*58

قلوبهم بعد هنيهاتٍ قصيرة. وقبل أن أشعر.. كان القطار قد توقّف في محطة "تسكمبيا". وكان جميع أفراد العائلة بانتظاري هناك.

آه: لقد امتلأت عيناي بدموع الفرح وأنا أتقدّم اليهم. ها هي والدتي تضمّني الى صدرها وقد اسكتها الفرحُ وأفسح المجال لدموعها لتعبّر عنه.. انها تبكي... أما اختي فهي آخذةٌ بيدي تغمرها بالقبلات ثم ترقص طربًا.

تجربة محزنة بعد النطق

في شتاء 1892 ظلّلت سماء طفولتي المضنية غيمة سوداء. يومذاك عشت فترة طويلة من الوقت في شك، وقلق وخوف. لقد فقدت الكتب سحرها لديّ وشعرتُ بان ظلام الحياة يلفُّني من جديد. فما هو كل ذلك؟ كنت قد أرسلت الى السيد :أنينوس" من " مدرسة بر كنز للعميان" قصةً كتبتها بنفسي وأطلقت عليها اسم "ملك الجليد". وكانت هذه القصة هي أساس المشكلة. فلماذا؟ كتبت هذه القصة في الخريف الذي تلا تعلُّمي النطق، حيث أقمنا بكوخنا في الجبل أطول من المعتاد. وكانت الآنسة سوليفان قد وصفت لي جمال الأشجار في الخريف. ويبدو أن وصفها هذا قد أعاد الى ذاكرتي قصةً اخرى ربما كانت قرأتها لي فيما مضى، فحفظتها في ذاكرتي بطريقة لا شعورية منذ ذلك الحين. واعتقدتُ عند ذاك بأنني كنت "أؤلّف قصة" كما يقول الأطفال، فجلستُ بلهفة وبدأتُ الكتابة قبل أن تتسلّل هذه الأفكار من مخيّلتي.

ولقد تواردت أفكاري بسهولة، وشعرتُ بالفرح يغمرني وأنا أكتب تلك الكلمات والأفكار تأتي متراقصة حتى أطراف أصابعي. وكنت أكتب العبارات كما تتوارد على خاطري، جملة بعد جملة.

*59

صورة للمعلمة تشجع تلميذتها على كتابة قصة.

*60

وعندما أتممت كتابة القصة قراتها أمام مدرّستي بكل زهوٍ وسرور. وأنا أذكر استيائي للتأخير الذي كان يسبّبه تصحيح كلماتها. كذلك قرأتُ القصة امام العائلة علة مائدة العشاء. ولقد فوجئت العائلة بمقدرتي على الكتابة، حتى سألني احد الحاضرين عما اذا كنت قد قرأت هذه القصة في أحد الكتب.

وأدهشني هذا السؤال كثيرًا, اذ لم يكن لديّ أية فكرة عن ذلك، فأجبت: "كلا، انها قصّتي وقد كتبتها لأجل السيد أنينوس".

وهكذا أرسلتها له بمناسبة عيد ميلاده، حملتها بنفسي الى دائرة البريد وانا اشعر بالسعادة. ولم يدُر بخلَدي انني سوف أجازى بهذا الشكل القاسي على تلك الهدية.

ابتهج السيد أنينوس عندما تسلم "ملك الجليد" وقام بطبعها في أحد تقاريره. وكان هذا قمة سعادتي، التي قُدِّر لي ان أُطرد من جنّتها بعد فترة قصيرة. فلم يمضِ عليّ في بوسطن سوى وقت قصير حتى اكتشِف ان قصةً تشبه قصّتي، وتسمّى "جنيات الجليد"- قد ظهرت قبل ولادتي، في كتاب يسمّى "بردي وأصدقاؤه" وكانت القصتان متشابهتين في الفكرة واللغة.. حتى بدا مؤكّدًا أن قصتي مسروقة.

كان من الصعب جعلي أقتنع بذلك، ولكنني، عندما اقتنعت، ملأتني الدهشة والأسى! لقد قمتُ بعملٍ مخجل.. فكيف يمكن أن يحدث هذا؟ أخذتُ أفكر وأفكّر، حتى أصبحتُ مرهقةً جدًا، وكنتُ أحاول أن أتذكّر أي شيء عن الجليد الذي قرأتُ عنه قبل أن أكتب قصّتي، ولكنني لم اجد شيئًا.

*61

ولقد حاول السيد أنينوس في البدء أن يصدّق أقوالي، لكنه كان مضطربًا جدًا. ولما كان في العادة رقيقًا ولطيفًا معي بشكل غير عادي، فقد حاولت أن ارضيَه بان أبدو سعيدة على قدر الامكان أثناء الحفلة التي أقيمت في ذكرى مولد واشنطن، بعد وقت قليل من استلامي الانباء المحزنة. يومذاك كان يتوجب عليّ القيام بدور "سيريس" في تمثيليّةٍ للفتيات العميان. وما زلت أذكر الحجاب الجميل الذي ارتديتُه، وأوراق الخريف المتألقة التي كانت تطوّق هامتي.. أمّا تحت هذا السرور فقد عذّبني الشعور بسوء الحظ الكبير.

وفي الليلة التي سبقت الحفلةَ سألتني إحدى المدرّسات عن((ملك الجليد))،فأخذتُ أحكي لها ما كانت الآنسة سوليفان قد روته لي عن جاك فروست وأعماله العظيمة. فتلمّست المعلمة فيما حكيتُه تأكيداً بأنني أروي قصة((جنيات الجليد)). ثم إنها عبّرت عن رأيها هذا أمام السيد أنينوس، فرفض الاستماع إلى توسُّلاتي، وهو الذي كان يحبني بحنوّ..لاعتقاده بأنه قد خُدِع. وباتت لديه شكوك في نزاهة الآنسة سوليفان ونزاهتي، إذ اعتقدَ أننا خدعناه بالقصة لكي نكتسب احترامه وتقديره.

وقدَ قُدَّمتُ إلى مجلس الأساتذة في مدرسة العميان. وظهر لي أن قُضاتي مصمّمون على إجباري أن أعترف بأن قصة((جنيات الجليد))قد قُرئت أمامي ولو مرةً واحدة. وسرعان ما شعرت أن كل سؤالٍ منهم كان يحمل الشكّ في طيّاته. فأحسَستُ بالدم يغلي في عروقي، وأصبحت بالكاد قادرةً على النطق. وعندما سُمِحَ لي بالخروج في النهاية، شعرتُ بالدوخة. وعندما رقدت في الفراش تلك الليلة بكيت

*62

كثيراً، حتى تصورتُ أنني سأموت قبل انبلاج الفجر. وقد واستني هذه الفكرة. وأراني الآن أعتقد أنه لو حلَّ بي هذا الحزن عندما أصبحت أكبرَ سناً، لكان قد حطَّم روحي شر تحطيم. والآن..ما دور الآنسة سوليفان في القضية!؟

قبل أربع سنواتٍ كنت قد قضيت عطلة الصيف برفقة إحدى صديقاتي. وحيث إن الآنسة سوليفان كانت غائبة فقد حاولت صديقتي أن تسِّليني. فجعلت تقرأ لي بعض الكتب، وكان لديها نسخة من كتاب((بردي وأصدقاؤه)). وبالرغم من أننا لا نذكر القضية، فلا بدَّ أن تكون قد قرأتْ لي قصة((جنيات الجليد)).

وهكذا تبقى حقيقة ثابتة.. وهي أنني سمعت بهذه القصة ذات مرة ، ثم نسيتُها بعد سنوات. ويبدو أن ذكرى هذه القصة قد عادت إلى مخيِّلتي بشكل طبيعي، حتى إنني لم أتصوَّر أنها من نِتاج عقل آخر.

ما اطيبَ الأصدقاء!

لقد تسلَّمت رسائل عطف كثيرة من أصدقائي أثناء محنتي. وكانت صاحبةُ((جنيات الجليد))ممن بعثوا بواحدة من تللك الرسائل. ما ألطفها!لقد ورد في رسالتها هذه الكلمات: ((سوف تكتبين قصصاً عظيمة ذات يوم، وسوف تصبح قصصك هذه سالوى ومساعدة للكثيرين)). غير أني ظللتُ فاقدة الثقة بما أكتب لفترة طويلة. وحتى حين كنت أكتب رسالة إلى والدتي كان ينتابني شعور بالخوف، فأستعيد تهجئة العبارة وأُعيد قراءة الرسالة لكي أتأكد من أنني لم أكن قد طالعت مثل هذه العبارات في الكتب.

*63

ولقد وهبتني الآنسة سوليفان الشجاعة وحالت دون التوقف عن محاولاتي الكتابة. ففي كتابتي السابقة كنت أتعلم كيف أحوِّل الأفكار إلى كلمات عن طريق إعادة كتابة مؤلّفات الآخرين وتقليدها. كنت أختزن ما يسرُّني مما أجده في الكتب في ذاكرتي، ثم أستخدمه بطريقة لاشعورية، وكأنه من عندي. لكن ذلك تغيّرَ بعد ورطة((ملك الجليد)). لأن القضية كانت ذات أثر عظيم في حياتي وثقافتي. وحتى لا ينشأ هناك أي سوء فهم.. فما أنت تراي أيها القارىْ الكريم، قد وضعت الحقائق كما بدت لي، دون التفكير في الدفاع عن نفسي أو إلقاء الملامة على أحد.

*64

نياغارا والمعرض الدولي

أمضيتُ فصل الصيف والخريف التاليَين مع عائلتي. وكنتُ سعيدة، وسعيدة جدّاً..لقد نسيت قضيّة((مللك الجليد)). وفي هذا الوقت بدأتُ في كتابة قصة صغيرة عن حياتي. كنتُ لا ازال حذِرة جداً فيما أكتبه، خشية قضيةٍ أخرى. ولم يكن أحد يعلم بمخاوفي هذه سوى مدرِّستي. وكانت الآنسة سوليفان ترفِّه عني وتقدِّم لي كل مساعدة ممكنة. ولكن التجربة المفزعة التي كانت قد مرّت بي تركتْ أثرها الدائم في ذهني. والحقّ، أن الانسة سوليفان كانت تستحثُّني دائما على كتابة قصة قصيرة عن حياتي وإرسالها إلى مجلة ((رفيق الشباب)).

وعندما أنظر الآن إلى كفاحي من أجل كتابة تلك القصة الصغيرة، يبدو لي أنه يجب أن أكون قد علمتُ مسبقاً بالنتائج الحسنة التي سوف تنتج عنها. ولولا ذلك لكنت قد فشلت بالتأكيد. ولا مانع من ذكر كلمةٍ عن تلك الفترة:

لقد عشتُ في الماضي حياة طفل عديم التفكير، أما آنذاك فإن أفكاري قد اتّجهتْ نحو الداخل، بأشياء غير مرئيّة. فخرجتُ ببطءٍ من خلال تلك التجربة بذهن جعلتْه التجربة نفسها أكثر نضوجاً.

كانت أحداث سنة 1893 البارزة بالنسبة إليّ هي رحلتي إلى

*65

واشنطن وزيارتي شلاّلاتِ نياغارا والمعرض الدولي. ونتيجة لذلك فقد انقطعتُ عن مواصلة دراستي بشكل دائم.

ذهبتُ لزيارة شلاّلاتِ نياغارا في شهر آذار. ومن الصعب وصفُ مشاعري وأنا أقف فوق الموضع الذي يعلو هذه الشلاّلات وأشعر بالهواء والأرض يرتجفان تحت قدميَّ. ويبدو غريباً للكثير من الناس أن أتأثر إلى هذا الحّد بعجائب نياغارا. وهم يتساءلون دائماً: ((إنه لا يمكنكِ رؤية الأمواج وهي ترتطم بالشاطىء ولا سماع هديرها،فماذا يعنيان بالنسبة لك؟)) وأنا أقول بصدق: إنهما يعنيان كل شيء، غير أنه لا يمكنني توضيح معانيهما أكثر من قدرتي على توضيح معنى الإيمان أو الطّيبة.

وأثناء ذلك الصيف قمت بزيارة المعرض الدولي برفقة الآنسة سوليفان. وأراني أستعيدُ في ذاكرتي الابتهاجَ العظيم لتللك الأيام. لقد تحوَّلتْ آلاف التخيّلات الصبيانيّة إلى حقيقة جميلة. فقد رأيت أشياء غريبة كثيرة من أبعد أطراف العالم-عجائب وكنوزاً تمَّ اكتشافها على يد الإنسان أو صنعتْها يده. إن جميع نشاطات الكائنات الحيّة قد مرّت من خلال أطراف أصابعي، وما كان أجملَها!

يومذاك أحببتُ زيارة الباحة الوسطى. كانت تبدو شبيهةً ب((ألف ليلة وليلة ))، تملأُها مناظر جديدة ومشوِّقة. هنا كانت الهند التي ورد ذكرُها في كتبي، بمخازنها الغريبة، وأفيالها- (المصنوعة من النحاس). وهناك كانت مصر مع ((القاهرة)) ومبانيها الأثرية، وشوارعها وصفوف الجِمال الطويلة فيها. وعلى مسافة أبعد كانت تُضاء المدينة ويُسلَّط النور على نوافير المياه. ولم أكتفِ بالتفرُّج على ما سبق..فقد صعدتُ إلى باخرة

*66

أثرية أُحضِِرت من الشمال. وقد أثار اهتمامي أن أرى عليها كيف أن البحّار كان ذا أهميّة خاصة فيما مضى، وكيف أن كل شيء كان يعتمد على شجاعته وقوّته.

أما في الباخرة الحديثة فإن ((جاك)) الصَّبور قد دُفِعَ به إلى الخلف واحتلّت مركزَه الآلات الغبيّة.

وعلى مسافة قريبة كان هناك سفينة شراعية، هي صورةٌ طِبق الأصل من سفينة كريستوفر كولمبوس((سانتا ماريا))وقد اطلعني القبطان على غرفة كولمبوس الصغيرة الخاصة وكان على مكتبة ساعة رمليّة. وقد جعلتني هذه الآلة أفكِّر: تُرى كيف شعر هذا الكابتن الشجاع بالإرهاق والتعب عندما كان يرى الرمل يتساقط حبَّة بعد حبَّة، بينما بحَّارته الأشرار يخطََّطون لاغتياله!

كان الدكتور بيل يرافقنا في كل مكان، زكان يشرح لنا بطريقته المرِحة عن الأشياء ذات الأهمية العظيمة. وبفضله دخلْنا القاعاتِ المخصّصة لعرض المعدّات الكهربائية. وهناك فحصْنا التلفوناتِ والأدوات الشبيهة الأخرى وقد أوضح لنا كيف يتم إرسال برقية لاسلكيّة، تَسخَر من بُعد المسافات وتستبق الوقت.

كنت مهتمةًبشكل خاص بآثار المكسيك القديمة، بمطارقها الحجرية الخشنة، وسكاكينها الصوانيّة، وغير ذلك.لقد تعلَّمت الكثير من مثل هذه الأشياء عن تقدَُم الإنسان المطَّرد. والحقّ، أن جميع هذه التجارب قد أضافت الكثير من الكلمات الجديدة إلى مستودعي الذَِهنيّ، ففي الثلاثة الأسابيع التي قضيتها في المعرض قفزتُ قفزةً

*67

واسعة..من الاهتمام الذي يبديه الطفل الصغير للأشياء، لقصص الجِنَّ والدمة، إلى تفهُّم بعض الحقائق عن عالم يومنا هذا.

*68

مدرسة الصُّمّ

في صيف سنة 1894 ذهبتُ إلى مدرسة خلصة للصُّم في مدينة نيويورك. وكان قد اختيارُ أهلي على هذه المدرسة، من أجل أن أحصلَ على أحدثِ طرق تدريب الصُّم في النطق وقراءة الشفاه. هناك قضيتُ سنتين درستُ فيهما علم الحساب، والجغرافيا، واللغة الإفرنسيذة وبعض الألمانية.

كانت مدرِّ الألمانيه قادرةً على استخدام الأحرف الهجائيّة اليدوية، فسرعان ما صِرنا نتكلم الألمانيةَ كلَّما سنحتْ لنا الفرصة. وخلال شهورٍ قليلةٍ أصبحتُ قادرةً على فهم معظم حديثها تقريباً. أما مدرِّستي  الإفرنسية فكانت تجهلُ طريقةَ استخدام الأحرف الهجائية اليدوية، ولم يكن بإمكاني قراءة شفَتيها بسهولة، ولذللك فإنني واصلتُ دروسها ببطء. ولقد كان تقدُّمي في قراءة الشفاه أقلَّ سرعة مما كانت مدرَّساتي يأملن، وكنتُ أتوق بلهفةٍ لأن أتكلَّم مثلَ الآخرين، وتشجِّعني المعلمات على ذلك. ولكن، مع أننا قد عمِلنا بقوةٍ وإيمان، فقد تعذّر علينا الوصول إلى هدفنا. وقد استمعتُ بدروس الجغرافيا أكثرَ من الجميع. ما أجملَ أن ندرس أسرار الطبيعة – كيف تشقُّ الأنهر طريقها بين الصخور وكيف يتغلَّب الإنسان على قوى الطبيعة.

يا لهذه السنوات التي قضيتُها في نيويورك. إنها من أسعد السنوات بالنسبة إليَّ! وأنا أذكر  بوجه خاص تلك النزهاتِ التي كنا نقوم بها معاً كل يوم إلى(سنترال بارك). لقد ذهبنا في أيام الربيع إلى أماكن مختلفة فأبْحَرنا فوق نهر(الهدسُن) وتجوَّلنا على ضفافه الخُضر، لكن (سنترال بارك) كان أجملَ من كل شيء.

وقبل أن أغادر(نيويورك) ظلَّلتْ غمامةٌ سوداء بعض  أيامي المضيئة هذه . وكان ذلك بسبب وفاة السيد ((سبولدنج)) من مدينة بوسطن. فقد كان هذا السيد كريماً جداً معي ومع الآنسة سوليفان، لذا تركتْ وفاته فراغاً في حياتنا لم نتمكَّن من ملئِه اْبداً فيما بعد. اْلا ما اْبشعَ اْن يفقِد الإنسانُ عزيزاً، ويَفقِده إلى الأبد! هذا ما قلته عندما وردني نبأ وفاة

 

*70

والدي. لقد مرض مرضاً قصيراً ثم فارق هذه الدنيا مرةً واحدة.. وكان ذلك أعظم محنةٍ واجهتُها في وقتٍ من الأوقت.

مدرسة كامبردج للبنات

دخلتُ مدرسة كامبردج للبنات استعداداً للالتحاق بكلَّيةِ ((راد كليف)) فيما بعد. وأنا أذكر الآن أنه كان قد سبق لي أن زُرتُ ((وُلسلي))عندما كنتُ فتاة صغيرة، ويومذاكَ فاجأتُ أصدقائي بقولي : ((ساْذهب ذات يوم إلى جامعة هارفرد)). وعندما ساْلوني لماذا لا أذهب إلى ((ولسلي)) أجبتهُم قائلةً: ((لأنه لا يوجد سوى الفتيات هناك)).

والواقع أن فكرة الالتحاق بالجامعة كانت قد تأصّلت في نفسي.لقد دفعتْني إلى أن أدخل سباقاً مع الفتيات ((المبصِرات)) و ((السامعات)).

لكن كيف أستفيد من الجامعة وأنا في حالتي المعروفة!

كانت الخطة اْن ترافقني مدرَّستي إلى كامبردج لتحضير الدروس معي ثم تلقَّنني إياها . وبالطبع لم تكن لدى المدرَّساتِ خبرةٌ كافية في التعامل مع تلامذةٍ من مثلي. وكانت طريقي الوحيدة ((لسماعهنَّ)) هي ((قراءة)) شفاههن. وهذه طريقة لا تؤهّل لنجاح. وحتى ذلك الحين لم تكنْ لديّ خطة دراسيّة للتحضير للجامعة، ولكنّني كنتُ قد تدرّبتُ جيداً في اللغة الإنكليزية، ولم أعُدْ بحاجة إلى أكثر من دراسةٍ دقيقة للكتب التي عيّنتها الجامعة. وكان لديَّ أيضاً بدايةٌ جيدة في الإفرنسيَّة واللاتينيَّة، أما الألمانيَّة فكانت اللغةَ التي أتقنتها أكثر من جميع.

كان كل شيء جيداً حتى الآن، غير أن عراقيل كثيرة كانت تقفُ

 

*71

في الطريق، وأهمُّها أنه لم يكُن من الممكِن إعادة كتابة الكتب المقرَّرة بطريقة بريل.

ثم إن مدرَّساتي أصبحن على معرفةٍ كافية بضعفي في الكلام، وكنَّ يردُدْن على تساؤلاتي على الفور، ويصحَّحن أغلاطي أيضاً.

وهنا لا بدّ من ذِكر فضِل الآنسة سوليفان.. لقد كانت تذهبُ معي إلى قاعة الدراسة كلَّ يوم وتتهّجأ في يديّ بانتظام، ودون كلل، كلّ ما كانت تقوله المدرّسة وأظّنه لا يمكن لأحدٍ أن يتصوّر كم كان هذا العمل مرِهقاً.

في تلك السنة أنهيت دراسةَ الحساب، وتحسّنتْ معرفتي بعلم الصَّرف والنحو في اللغة اللاتينيَّة، وقرأتُ سبعة مؤلَّفات مشهورة لكتّابٍ

 

*72

أو شعراء ألمان. أما أستاذ اللغة الإنكليزية فقد قرأ معي خلال هذه الفترة رواية شكسبير((هذا كما ترغب فيه))، وبعضَ الكتب الأخرى المعروفة جيداً لمؤلَّفين إنكليز. وكانت آراءُ الأستاذ الواضحة وتفسيراته الحيوية تجعل عملي سهلاً وسارّاً.

وهنا في كامبرج تمتَّعت برفقة زميلاتي ((المبصرات)) و((السامعات)) اللواتي في عمري، لأوّل مرة في حياتي.فقد عشتُ مع بعضهنّ في أحد البيوت الجميلة بالقرب من الكليَّة، حيث تمتَّعنا بحياة منزليَّة حقيقيَّة هناك شاركتهن في ألعابهن، وذهبتُ معهنَّ في نزهاتٍ بعيدة.

وفي عيد الميلاد من تلك السنة قضتْ والدتي وشقيقتي الصغيرةُ عطلة العيد عندي، وقد عرضَ المدير أن يسمحَ لميلدرد أن تتعلّم في مدرسته. وهكذا لم نفترقْ طوال ستة أشهر. وكلّما تذكّرتُ الآن تلك الساعاتِ التي قضَيناها، ونحن نتقاسم أوقاتنا من الراحة واللعِب ما أسرع أن تغمرني السعادة.

ثم حان موعد تقديم الامتحانات..وكانت الموضوعات التي قدّمتها هي:الالمانية، الإفرنسية، اللاتينية، الإنجليزية، اليةنانية وتاريخ الرومان.ومن حُسن حظي نجحتُ في جميع هذه الموادّ وتسلَّمتُ((أوسمةُ)) في الألمانيا والانجليزية. وأراني أجدُ من الضروريَّ هنا أن أُوضِحَ الترتيبات التي كانت تُتَّخذ في إجراء اللامتحانات في أيامي.. فلا بدّ أن كل شيء من هذا قد تغيّر  الآن.

كان على التلميذ أن ينتهي من الفُحوص خلال ستّ عشرةَ ساعة، أربعٌ للأعمال التحضيرية. وكانت أوراق الامتحانات توزَّع في

*73

الساعة التاسعة، ويُرمَز فيها برقم لكل شخص، لا بالاسم. وكان رقمي 223. وبما أنني كنتُ مضطرّة لاستعمال الآلة الكاتبة فلم يكنْ اسمي مكتوماً وقد اعتُبر أنه من الأفضل لي أن أُجري امتحاناتي في غرفة منفردة، لأن صوتَ الآلة الكاتبه يغلق الفتيات الأخريات. ثم إن المدير قرأ لي جميعَ الأوراق بواسطة الأحرف الهجائية اليدوية، وأوقف حارسا على باب الغرفة. ولقد عرف أنني لا أغشّ، بل لا أستطيع ذلك.. ومع هذا، فالنظام يكون سخيفاً في بعض الأحيان..!

كان اليوم الأول لمادة اللغة الألمانية. وقد شعرت بقلقٍ عظيم وأنا (أضربُ) أجوبتي على الآلة الكاتبة. ثم إن المدير تهجّأ لي ما كنت قد ضربتُه وقمتُ أنا بعمل التصحيحات الضرورية.

أما في ((رادكليف)) فما من أحدِ كان يقرأ لي أوراق الامتحان بعد((ضَرْبها)) لاراجعَها، إلاّ إذا فزعت قبل انتهاءِ الوقت المحدَّد. وهكذا فأنا لا أُصحِّح إلا الأغلاط التي أذكرها في الدقائق الأخيرة. وهذا ما يفسِّر لماذا كانت علاماتي في امتحاناتي الأولى أعلى منها في الامتحانات النهائيّة أَضِفْ إليهِ أنّ الامتحانات الأولى كانت في موادَّ اعرفها جيداً قبل التحاقي بكامبردج، فقد نجحتُ في فحوص اللغة الإنجليزية، التاريخ، الفرنسبة، والألمانية، التي قدَّمتها عند بدء السنة الدراسية، وكانت الأسئلة قد اختيرت من اوراق فحوص سابقة ((لهارفارد)).

أنا ونظام الفحوص  

بدأتُ سنتي الثانية في المدرسة يملأني الأمل والتصميم على النجاح.

*74

ولكني خلال الأسابيع الأولى واجهتْني صعوباتٌ غير منتظرة. لقد تقرَّر أن تكون تلك السنة مخصَّصة بمعظمها لدراسات العلوم: الرياضيات، والفلك علاوة على اليونانيّة واللاتينيّة. ومن سوء  الحظ أن معظم الكتُب التي كنتُ أحتاجها لم يُطبع بطريقة ((بريل)) كي أبدأ دراستي. كما كنتُ أفتقد أيضاً جهازاَ هاماَ كان ضروريّاً في بعض دراساتي. وكانت قاعات الدراسة مزدحمةَ جداً، فكان من المستحيل على مدرّساتي إعطائي دروساُ خاصة في تلك الحال. لذا اضطرّت الآنسة سوليفان ان تقرأ لي جميع الكتب والإيضاحات الضرورية، وتنتقل إليّ نصائح المدرْسات.

كان عليَّ أن أكتب الرياضيات في الصفّ، وأن أُجيبَ عن الأسئلة في العلوم. ولم أستطيعْ ذلك حتى اشتريتُ آلة كاتبة بطريقة بريل. ويومذاك قلت لنفسي..((مسكينة أنا!)). لم يكن بمقدوري رؤية أرقام الرياضيّات على اللوح الأسود، وكانت طريقتي الوحيدة للحصول على فكرةٍ واضحة عنها هي القيامَ بصُنعها من أسلاكٍ مستطيلة ومثنّاة. وكنتُ أفقِد شجاعتي أحياناً، وأُظهر شعوري بطريقة اخجلُ من ذِكرها الآن، وعلى الأخص عندما كان عجزي يُستخدم فيما بعد ضدّ الآنسة سوليفان المسكينة.

كنت قد بدأت في اجتياز جميع هذه العقبات عندما حدث حادثٌ بدّلَ كل شيء. فما هو ذلك الحادث؟

قبل وصول الكتب بفترة قليلة، كان المدير قد بدأ يحتجًّ إلى الآنسة سوليفان بأنني كنت أعمل بإرهاق. وقد اتخذَ بعض الترتيبات لتخفيف

*75

عدد الحصص التي أُباشرها.وقد تقرّر في البدء أنه يجب عليّ أن أدرس خمس سنوات لدخول الجامعة. وانتهت السنة الأولى.. فأثبتَ نجاحي أنني قادرةٌ على أن أُتِّمم استعداداتي في سنتين أخرَيين. وهكذا انقضت المدّة.

ووافق المدير في البدء على ذلك، غير أنه حين أصبحت فروضي مُربكةً لي، أعلن المدير أنني كنتُ أعمل كثيراً جداً، وأن عليّ البقاء في مدرسته ثلاث سنوات أخرى، فأزعجني قراره هذا. وفي السابع عشر من تشرين الثاني لم أكن بصحة جيِّدة، فلم أذهب إلى المدرسة. وحالما سمع المدير بغيابي، قال: إن العمل كان فوق طاقتي. وعلى هذا الأساس أجرى بعض التغييرات في منهج دراستي، مما جعل من المستحيل عليّ أن أتقدّم للامتحان مع أبناء صفِّي. وقد سبّب الاختلافُ في وجهات النظر بين المدير والآنية سوليفان أن أخرجتْني والدتي من((كامبردج)).

وبعد بعض التأخير تقرر أن أُواصل دراستي بإشراف السيد((كيث)). فأخذ هذا الأستاذ الطيِّب ما بين شباط وتموز من سنة 1898 يحضر إلينا مرَّتين في الأسبوع ليعلِّمني الرياضيات، واليونانيّة واللاتينيَّة. وكانت سوليفان تنقل إيضاحاته إليّ.

وفي بوسطن ظلّ السيد((كيث)) يتلطّف بدروسه خمس مراتٍ في الأسبوع . وبهذه الطريقة واصلتُ الاستعداد لدخول الجامعة بشكل جيّد. ولقد وجدتُ أنه أسهل عليّ كثيراً أن أتعلم بمفردي من أن أتعلّم في المدرسة. وكم تمنّيت أن تكون الرياضيات بنصف السهولة التي

*76

أجدها في دراسة اللّغات! ولكن السيّد((كيث)) جعل من تلك المادّة موضوعاً ممتعاً حقاً. إنني أشكره أينما هو. فلقد فكري يقظاً، وكان دائماً لطيفاً حتى عندما كنت أشعر بأنني غبيّة تماماً.

وأخيراً تقدمت لامتحان الدخول إلى رادكليف. وفي اليوم الأول قدّمتُ ورقة اللغتين: اللاتينية واليونانيّة رقم1. وفي اليوم الثاني قدمتُ أوراق علم الهندسة والجَبر واليونانيَّة العالية. وفي هذه الفحوص لم يُسمح للآنسة سوليفان بقراءة الأوراق لي، ولذلك عُيّنَ السيد((فايننج)) ليقوم بضرْب أوراق الامتحان لي بطريقة بريل. وقد نجحتْ هذه الخطة جيداً في اللغات، أما في الرياضيات فكان نصيبها الإخفاق. أمّا سبب ذلك فهو أنني كنت أعرف طريقة بريل المستخدَمة في أميركا، أما في الرياضيات فقد استخدمتْ طريقة بريل الإنجليزية.

والحقّ أن تلك الامتحانات كانت صعبة جداً بالنسبة إلي، وإن لم يكن ذلك مقصوداً أبداً.. ومع هذا فقد نجحت. وكنتُ أرفّة عن نفسي عندما أتبيَّنُ أنني قد تغلّبتُ على جميع هذه الصعوبات.لقد انتهى كفاحي بالنجاح، وبإمكاني الآن الدخول إلى رادكليف وقتَ أشاء. غير أنني فضلت أن أواصل الدراسة لدّة سنة أخرى تحتَ إشراف السيد((كيث)). وهطذا، لم يتحقق حلمي في دخول الجامعة إلاّ في خريف سنة 1900.

*77

الحياة في رادكليف

إنني أذكر جيداً أول يوم قضيته في رادكليف. لقد انتظرتُ هذا اليومَ لسنواتٍ عديدة.كانت هناك قوَّة عظيمة في داخلي، أقوى من صلوات أصدقائي واعمقُ من الشكِّ الذي كان ينتابني أحياناً. وكانت تلح عليَّ أن أختبر مقدرتي بنفس المعيار الذي يستعمله مَن بإمكانهم الرؤية والسمع.

كنتُ أعلم بوجود العراقيل، ولكنني بدأتُ دراستي وأنا في أشدّ اللّفهة. وهناك رأيتُ عالماً جديداً يملؤه الجمال والنور يتفتح أمامي، وبدتْ لي أسرار العلم مليئة بأرواح العظماء والحكماء. لقد اعتقدتُ أن جميع المدرِّسين هم من الحكماء. وإذا كنتُ تعلَّمتُ فيما بعد أي شئ آخر يختلف عما اعتقدته آنذاك فإنني لن أبوح به لأحدٍ الآن.. وسرعان ما اكتشفت أن الجامعة ليست المكانَ الرائع الذي كنتُ أتصوره. لذا باتت الأحلام الكثيرة التي كانت قد أبهجت عدم خبرتي الفتيّة أقلَّ جمالاً، ثم إنها تلاشَتْ(( تحت ضوء اليوم العادي))، وبدأتُ أجد أن الذهاب إلى الجامعة فيه عقبات كثيرة.

كان أكثرَ ما شعرتُ به هو ضيقُ الوقت. ففي السابق كنَّا نجد وقتاً للتفكير وتقدير الأشياء، أما في الجامعة فلم يكن لدينا شيء من هذا

*78

القبيل. وعندما يدخل احدُنا من الباب، فإن أعز رغباته تظل خارجاً.. وربما تجلس تحت الأشجار الهامسة في الساحة.

وقد يجد الجامعيُّ بعض المواساة لا أكثر. وكثيراً ما يسألني بعض الناس كيف تغلَّبت على الظروف المميِّزة التي عملت في ظلّها بالجامعة. ففي الصف، كنتُ وحيدة بالطبع وكان الأستاذ المحاضِرُ بعيداً، حتى بدا لي وكأنه يتحدث على الهاتف. ها هي الكلمات تُسرع من خلال يديّ مثل كلاب الصيد التي تطارد الأرنب..ومع هذا فلا أعتقد أنني كنتُ أسوأ حظاً من الفتيات الأخريات فيما يتعلّق بتدوين الملاحظات. لذا كنتُ أُسجل ما أتذكَّره عندما أعود إلى البيت. ولم صعباً على الأساتذة أن يكتشفوا قلَّة ما أعرف.

وفي الجامعة كان هناك القليل من الكتب اللازمة لدراسة المواضيع المتعددة مطبوعةً للعميان. وكان من الضروري تهجئتها في يدي. ولذلك كنتُ أحتاج وقتاً أطول في تحضير دروسي من الفتيات الأخريات. وأحياناً ما كانت فكرةُ قضائي عدّةَ ساعات وأنا أنحتُ في قراءة صفحات قليلة- فيما الفتيات الأخريات يغنَّين ويرقصْن- تثبِّط من عزيمتي إلى درجةٍ كبيرة. وقد أصرخ في أعماقي: إنني مظلومة مع براءتي.

هذا ولم أكن دائماً وحيدةً في كفاحي. فقد كان هناك عددٌ من العاملين المشهورين لاجل العميان يُحضِرون لي من الكتب التي أحتاجها بحروف أن يقدِّروه. وبفضلهم نجحت في السنة الأولى وارتقيت إلى

*79

السنة الثانية. وفي هذه السنة كان درس اللغة الإنكليزية أكثرَ دروسنا سروراً، فهو درسٌ حيّ في أسلوبِ أستاذه جمالٌ خاص. ففي حصة ذلك الأستاذ كنت أتسمّع إلى أصوات الكتَّاب المشهورين دون تفسيرات غير ضرورية ولا شروحٍ تفسد الأصول.

وكانت سنتي الدراسيَّة الثالثة أسعد السنوات. ففيها درست أشياء أثارت اهتمامي بشكلٍ خاص، وابتدأتُ أُدرك السبب الذي جعل لدى الناس في البلاد الأخرى تقاليد وطرق تفكير مختلفة عما عندنا.

ولكن الجامعة ليست تماماً مدينةَ النور المدهشة التي ظننتها. نعم إن أُستاذ اللغة الإنكليزية كان قادراً على تزويدنا بنظرة جديدة للحياة حين يستعيد لنا شكسبير، الشاعرَ والإنسان. غيْر أنه كان هناك آخرون همُّهم الإيضاحات الصعبة دون تلذُّذٍ أو تشويق. لقد مرِّت أوقاتٌ كنتُ أتوق فيها إلى التخلص من نصف الأشياء المطلوب مني دراستها، لأن العقلَ المثقل لا يمكنه الاستمتاعُ بالكنز الذي ربحه بأعظم الأثمان. وما أكثر ما يفقد الإنسان في هذه الحالة رؤيةَ الأهداف التي يقرأ من أجلها.

كانت الامتحانات تشبه الأحلام المزعجة بالنسبة إليَّ مع أنني كنتُ قد واجهتُها مراتٍ كثيرة. وكانت شجاعتي تتخلّى عني عندما تعود. أما الأيام التي تسبق هذه التجارب والتي نقضيها في ملء ذاكرتنا بالحقائق، والأرقام والتواريخ، فما أقساها وأكرهها من أيام!

وأخيراً كنا نصل إلى الساعات المفزعة. وننجح.

وإنه لَمِنَ الغريب حقاً أن تتخذ ذاكرةُ المرءِ وقواة الأخرى أجنحةً لنفسها لتطير بعيداً في مثل هذه اللحظة المحرجة!

*80

 كتبي

لقد كتبتُ حتى الآن عن بعض الاحداثِ المعينة في حياتي، لكنّي لم أبيّن مقدارَ اعتمادي على الكتب. هناك الكثير من التاس بإمكانهم الحصول على المعرفة من خلال أعينهم وأذانهم- أي على الطبيعة بصورة مباشِرة. أما أنا فليس لديّ إلأ أن أعتمد على القراءة.

والحقيقة، أن الكتب عَنَتْ بالنسبة إليَّ أكثر مما مانت تعنيه للآخرين، لذلك سوف أعود إلى الوقت الذي بدأت القراءة فيه.

لقد قرأتُ أولى القصص المسلسلة عتدما كنت في السابعة من عمري، ومنذ ذلك اليوم أخذتُ في قراءة كل ما يصل إلى يدي من الكتب بلهفة. وفي البدء كان لديّ عدد قليل من الكتب المطبوعة بأحرف نافرة: (( كتاب القراءة)) للمبتدئين، ومجموعة من القصص للأطفال، وكتاب عن الأرض يسمى ((عالمنا)). ولقد قرأتها حتى أصبحت حروف كلماتها مهترئةً ومطموسةً.

وأثناء زيارتي الأولى إلى((بوسطن)) بدأت القراءة حقيقة بكل تصميم. لقد سُكح لي بقضاء فترة من كل يوم في المكتبة التابعة لمدرسة العميان، فكنت أنتقل من خزانة كتبٍ إلى أخرى. هناك قرأتُ وقرأتُ.. ولم يكن يهم إذا ما كنت أفهم كلمةً واحدة من بين عشر كلمات من الكتاب بمجمله. كانت الكلمات بحد ذاتها تسحرني.

لا بد أن عقلي في ذلك االوقت كان قادراً على استيعاب الأشياء بسهولة كبيرة، ولذا كان أصدقائي فيما بعد يعجبون من ثراء مخزوني من التعايير.

*82

ولقد كنت في الثامنة من عمري عندما وجدتْني مدرّستي في المكتبة وأنا أحاول قرتءة كتابٍ لم يكن مناسباً أبدأً لطفلٍ في مثل هذا السنّ. فأخبرتْني أن لديها قصة جميلة تتحدث عن ولد صغير، هي أفضل من الكتاب الذي كنت أقرأه في المكتبة. وكانت قصتها هي قصة ((اللورد فونتلروا الصغير))، فقرأناها معاً في آب 1887.

وقبل ان نبدأ القصة أوضحتْ لي الآنسة سوليفان الأشياء التي قدرت أنني لم أفهمها، أما أثناء قراءة القصة فكانت توضح لي الكلمات غير المألةفة لديه. وكان هناك الكثير من هذه الكلمات أول الأمر، لكن القصة جذبتني بعد قليل ختى صِرْت أستمع بجهدٍ إلى إيضاحات الآنسة سوليفان. وتعبت أصابع الآنسة سوليفان وهي تتهجأ لي.. وشعرتُ بذلك. ولأول مرةٍ في حياتي داهمني إحساس قوي بفقدان النظر والسمع لدي. ومع هذا تناولت ذلك الكتاب وحاولت أن أتحسس الأحرف بشوق ولهفه لا يمكنني نسيانهما حتى الآن.

وهكذا فإنني أحدِّد تاريخ بدء اهتمامي الحقيقي بالكتب منذ هذا الوقت. وفي السنين التاليتين قرأتُ الكثير من الكتب في البيت وفي زيارتي إلى بوسطن. وكان من بينها: (كتاب العجائب) لهورثون و (حكايات من شكسبير) للامب، و (مذكرات صغير، الليالي العربية، روبنس كروزو، النساء الصغيرات). ولم أكن أعلم إذا كانت هذة القصص من تأليف كتَّاب مشهورين أم خاملين. وما لي وهذا! لقد وضعوا كنوزهم تحت اقدامي فتقبَّلتُها كما اتقبَّل اشعةَ الشمس ومحبة الأصدقاء.

*83

كانت حلقة أصدقائي (أي الكتب) تنمو وتزداد كلما تقدَّم بي العمر. فمن القصص البيسطة عن اليونان، تحوَّلتُ إلى قراءة مؤلفات الكتَّاب العظماء. لقد تفتَّح ذهني بشكل طبيعي وسرورٍ عظيم على أفكار العالم القديم. وكانَ لليونان سحر غامض في نفسي بوجه خاص. ها هي طروادة مثلاً. لقد عرفتُها جيداً قبل أن أقرأها باللغة اليونانية. ولم أجد صعوبة في فهفها حينذاك، بل أُعجبت بها أكثر مما يمكنني أن أقول. وما زلتُ أذكرُ منذ الوقت الذي بدأت فية أحب قراءة الكتب أنني لم أمِل إلى شكسبير. ففي البدء قرأت رواية (مكبث). وكانت هذة الرواية كافية لأن تغرز كلَّ جزء منها في ذاكرتي إلى الأبد. فقد ظلَّت الأشباح والساحرات تلاحقني لفترة طويلة، حتى في أحلامي. وكنتُ أراها حقيقةً بالنسبة إليَّ كما أرادها شكسبير بالنسبة للملكة في رعبها.

كذلك قرأت قصة (تاجر البندقية). ولقد تكوّن لي رأي خاص في اليهوديَّ الذي أراد أن يقطه رطلاً من لحم التاج الطيَّب (أنطونيو). لقد فهمته تماماً: فهو يهوديَّ أولاً، ويتعامل باربا ثانياً، وما من أحدِ يرغب في مساعدته أو تقديم أية فرصة لة، من ناحية ثالثة.

واستهواني التاريخُ بعد الأَشعار. فقرأت جميع المؤلفات التاريخية التي تمكنت من وضع يدي عليها- من المختصرات الممسوخة التافهة إلى مؤلَّفات ضخمة لمؤرخين عظماء. وكان أول كتاب زوَّدني بشعور حقيقي عن أهمية التاريخ هو كتاب (تاريخ العالم) للمؤلف سونيتون، الذي تسلَّمتة هديَّةً في عيد ميلادي الثالث عشر. ومع أنني أعتقد الان أنة لم يكن تاريخاً صحيحاً تماماً، فقد احتفطتُ به منذ ذلك الجين كواحدٍ من كنوزي.

*84

لقد تعلمت منه كيف انتقل الإنسان من أرض إلى أرض وأقام المدن العظيمة، وكيف سيطرت قلَّةٌ من الحكام على شيئ. وبكلمة واحدة. فتحتْ أبوابَ السعادة للملايين وأغلقتها على ملايين أكثر. وعرفت كيف أن أُمماً مختلفة قد تقدمت في الفن والمعرفة، وأُمماً أُخرى غرقت في ظلمات الجهل ثم عادت وارتفعت مرة أخرى. كذلك عرفتُ كيف أن الإنسان عن طريق كفاحه، بالفكر والجسد، قد تمكن من شق الطريق إلى عالمٍ أفضل.

عند هذا الحد أترك القارئ بعد أن صدقتُ معه في ما كتبتُة عن نفسي، راجياً له أن لا تقسو عليه الأيام، وأن يتأكد أن سعادته مِن سعادة الاخرين. فبقَدْر ما يمنح لهم من نفسِه تزدهر تلك النفس وتغدة مشرقة كلُّها نورٌ وبهاء.

*85

أسئلة حول (هيلين كيلر)

1-  ما هي العاهات التي اصابت (هيلين)؟

2- كيف كانت (هيلين) تتعامل مع مَنْ حولها؟

3- مع مَنْ كانت (هيلين) تقضي معظم أوقاتها؟\

4- الغَيْرة طبيعة في النفس، كيف ظهرت عند (هيلين)؟ ومتى؟

5- ما رأيك بمعلّمة (هيلين)؟ وكيف استطاعت أن تعلَمها؟

6- كيف تعلّمت (هيلين) النطق؟

7- ما الصدمة التي تعرّضت لها (هيلين) بعد تعلّمها النطق؟

8- ما العنوان الذي استهوى (هيلين) في حياتها؟

9- لماذا لقّبت بالمرأة المعجزة؟ وهل تستحقّ هذا اللقب برأيك؟

10- كيف تبدو لك قوّة إرادة (هيلين) وعزمها؟

11- ما الذي ساعدها على تخطَي هذة الصاعب؟

12- عدْ إلى القاموس واشرح ما يلي:

الهمهمة- المنكب- الفِناء- الضفائر- أرنبة الأنف- كافح- العِنان- دار بخلده- سَفَحَ- تَشبّث- الحَدْس- انتابني- انتشى- تاهَ- التيه- المزلقة- المحنة- الورطة- استحثّ.

13- بيّن الفرق بين: (الأجمة) و(الغابة) و(الحرج).

14- قال الكاتب: ((هو الاسم لكلا الدميتين). ماذا نعرب (كلا)؟

15- ما جمع الألفاظ التاية:

أسد- دبّ- وعل- أرنب- حصان.

16- ما صيغة الألفاظ التالية:

متلهَّف- مسرور- مسرِع- قويّ- انفعال.

17- علّل كتابة همزة (شيئاً).

18- اضبط  بالشكل التامّ المقطع الثاني من الصفحة 25، أي من: (والواقع أنني... فأحسست بالارتياح).

19- أعرب:

-  آة ما أحلاها!

- لم يسرّني عناده هذا.

20- موضوع مستوحى من القصّة:

قيل: (لا مستحيل عند أهل العزيمة)

اشرح هذا القول وأبْدِ رأيك فية.

إقرأ أيضا ...
كتب مفتوحة
ملكة الثلج
بين الغمام - الجزء الثاني
صرخة جسد
حين أبصر أمير
كتب للمتسجلين
تغريبة بني حتحوت
جوانتنامو
لغات الحب الخمس للأطفال
التفكير الجانبي
كتب بريميوم
رأيت رام الله
الزوجة المكسيكية
رغوة سوداء
سمراويت