مباشر
مَكْتَبَةُ الْمَنارَةِ الْعالَمِيَّةِ
بِمَوقِعِها ArabCast.org
ألْمَكْتَبَةُ الْعَرَبِيَةُ الْأولى
لِلْأشْخَاصِ مَعَ إِعاقَةٍ في الْقِراءَةِ
مقالات متنوعة /

"النبيل" وهو يودعنا!

"النبيل" وهو يودعنا!

اسم المؤلف: د. زيد حمزة
اسم القارئ: اليزابيث نصار
النسخ المتاحة:

"النبيل" وهو يودعنا!
بقلم :د/ زيد حمزة

صديقي الكولومبي الذي يقيم حاليًا في الولايات المتحدة وقلما يكتب لي، استعاد نشاطه فجأة وبعث إليَّ الأسبوع الماضي يقول:  "إن «نبيلنا»، ويقصد غابرييل غارسيا ماركيز، يعد العدة للرحيل الأخير، فقبل أيام أعلن عن اعتزاله الحياة العامة بعدما تبين أنه مصاب بسرطان الدم، وبهذه المناسبة الحزينة أرفق نص قصيدته الوداعية، وما إن قرأتها حتى هزتني ببساطتها وصدقها، ورغبت أن أنقل للعربية بعض أبياتها بتصرف:  لو وهبني الله بعضًا من عمر فقد لا أقول كل ما أفكر به، بل أفضِّل أن أفكر بكل ما أقول..  سأقيِّم الأشياء لا بما تساوي، بل بما تحمل من معنى..  سأنام قليلاً وأحلم أكثر، وأنا موقن أن كل دقيقة نغمض فيها أعيننا نضيِّع ستين ثانية بالنوم..  سأسير قدمًا حيث يتقاعس الآخرون..  سأصحو حينما يغفو الآخرون..  سأصغي حينما يتحدث الآخرون..  سأرتدي الملابس البسيطة وألقي بنفسي في الشمس معريًا، ليس جسدي فحسب، بل روحي كذلك..  إذا كان لي قلب فسأكتب الكراهية على الثلج وأنتظر الشمس حتى تسطع..  وعلى النجوم سأرسم مع فان جوخ قصيدة بنديتي، وستكون أغنية سيرات هي أغنية العاشقين التي أهديها للقمر، وبدموعي سوف أروي الورد وأشعر بوخز شوكه وأنا أقبِّل تويجاته الحمراء.

ربِّ، لو كان لي بقية من عمر، لن أدع يومًا يمر من دون أن أقول لمن أحبهم إنني فعلاً أحبهم..  سوف أقنع كل امرأة وكل رجل أنهم المفضلون لدي، وسوف أعيش في الحب مع الحب..  وسوف أبين للناس كم هم مخطئون لو اعتقدوا أنهم يتوقفون عن الحب عندما يتقدمون في العمر، فهم لا يعلمون أنهم يهرمون فقط عندما يتوقفون عن الحب!  وللأطفال سوف أمنح أجنحة لكني فوق ذلك سوف أدعهم يتعلمون كيف يطيرون وحدهم.

كثير..  كثير ذاك الذي تعلمته منكم أيها الناس، تعلمت أن كل واحد يريد أن يعيش على قمة الجبل وهو لا يعرف أن السعادة الحقيقية تكمن في كيفية صعود سلاسله المدرجة..  وتعلمت أن الإنسان من حقه أن ينظر من علٍ إلى من تحته فقط عندما ينوي أن يساعده للنهوض على قدميه.  لقد تعلمت منكم أمورًا عديدة لكنها في الواقع لن تكون ذات فائدة، لأنني وأنا أحتفظ بها في الحقيبة، سوف أكون للأسف قد فارقت الحياة!"

صديقي الكولومبي هذا قال لي قبل سنوات ونحن نمر بالقرب من منزل غابرييل غارسيا في قرطاجنة (كارتاهينا) الرابضة بكبرياء على شاطئ الكاريبي إن الشعب الكولومبي يحبه كثيرًا ويدعوه "غابو"، وها هو الآن يطلق عليه لقب «النبيل» بما لا علاقة له بالجائزة العالمية التي حصل عليها، وأعلن في عام 2008 أنه يخجل من حملها في الوقت الذي يحملها مرتكبو المجازر في فلسطين ولبنان، بل لأنه ملأ التاريخ المعاصر بكل ما يفخر به الكولومبيون من الرواية العبقرية إلى الصحافة الحرة والسياسة الجريئة، ولا ينسون علاقته الحميمة بفيديل كاسترو!

أما حين ذهبت في بوغوتا لمشاهدة الفيلم المأخوذ عن روايته "الحب في زمن الكوليرا" فقد وجدت الناس مشدوهين بسحر القصة وبالأداء الرائع لبطل الفيلم الممثل الإسباني هافيير بارديم Javier Bardem وتملكني شعور غامر بالدهشة عندما رأيتهم خارجين من دار السينما وكأنهم في مظاهرة وطنية.

وبعد..  كلنا نعرف أننا سوف نموت ذات ساعة، ولكن أكثرنا لا يعرفون كيف يواجهون النهاية بمشاعر إنسانية نبيلة وبشجاعة فذة كما يفعل الآن مبدعنا الكبير غابرييل غارسيا ماركيز.

إقرأ أيضا ...
كتب مفتوحة
ملكة الثلج
بين الغمام - الجزء الثاني
صرخة جسد
حين أبصر أمير
كتب للمتسجلين
تغريبة بني حتحوت
جوانتنامو
لغات الحب الخمس للأطفال
التفكير الجانبي
كتب بريميوم
رأيت رام الله
الزوجة المكسيكية
رغوة سوداء
سمراويت