مباشر
مَكْتَبَةُ الْمَنارَةِ الْعالَمِيَّةِ
بِمَوقِعِها ArabCast.org
ألْمَكْتَبَةُ الْعَرَبِيَةُ الْأولى
لِلْأشْخَاصِ مَعَ إِعاقَةٍ في الْقِراءَةِ
قصص وروايات /

الاصابع الصفراء

الاصابع الصفراء

الاصابع الصفراء

اسم المؤلف: اشكول نيبو
اسم القارئ: مصطفى خضر
النسخ المتاحة:

الأصابع الصفراء
تأليف: أشكول نبو
ترجمة: نايف خوري
إصدار: مكتبة المنارة العالمية

بعد الانتهاء من الغطس، وقفا في المياه الضحلة، بالقرب من بعضهما البعض. أرته أصابع كفها الأيسر وقالت: "انظر، إنها صفراء." لقد كانت حقا صفراء قليلا، خاصة عند الأطراف، فسألها عما إذا كانت قد لمست بكفها عن طريق الخطأ شيئا من المرجان، فأجابت: "ربما". وبدت قلقة بعض الشيء. في هذه المرحلة زادت محبته لها أكثر مما يمكنه أن يعترف به لنفسه، لذا دون أن يفكر كثيرًا، ألصق كفّه بكفها لبضع ثوان، وقال: "الآن ستنتقل العدوى إليّ بوباء الأصابع الصفراء".
أراد يمازحها ويضحكها (وحين تضحك يتسع منخاراها بصورة محبّبة) لكن بعد يومين، عندما زار والديه، رغب بغسل يديه (تصرّ أمه أن يغسل يديه قبيل الأكل، كأنه ولد صغير) فانتبه إلى أن أصابع يده اليسرى صفراء في أطرافها. وبعد الطعام أبرز أصابعه لأمه (بكل ما يتعلق بالأمراض كان ولا يزال ولدا) نظرت والدته متفحصة وسألته: "أبدأت تدخن؟"
كان التدخين قضية حساسة في منزلهم، لأن والده توفي بسرطان الرئة، فنظر إلى عينيها وقال: "كلا". "حسنا، يبدو أن هذا لا شيء – وألصقت كفها بكفه وقالت: "لنرى إذا كان هذا معديًا".
ما أن بلغت نهاية الأسبوع حتى أصبحت أصابع أهل الحي كلهم صفراء.
وحتى نهاية الشهر- الدولة كلها. 
وباء الأصابع الصفراء، الذي وصفه العلماء فيما بعد، بأنه "أول وباء في التاريخ ينتشر عن طريق التعاطف"، انتشر في جميع أنحاء العالم عن طريق اللقاء بين الأشخاص. ومن دواعي الاستغراب أن الأشخاص ذوي الأصابع العادية الذين التقوا بشخص عزيز عليهم، بأصابع صفراء، سعوا للتواصل معه بدلاً من تجنبه. أي أنهم شعروا بدافع قوي لا يمكن السيطرة عليه، لإلصاق كفوفهم بكفه. وقالت امرأة تشيكية: "سمعت هاتفا داخل رأسي يطلب مني القيام بذلك". ووصف رجل سلوفاكي ذلك: "شعرت أنه إذا لم ألصق أصابعي بأصابع روبرت حبيبي، فإنه سيشعر دائمًا بالاستهجان والاستغراب".
ادعى بعض العلماء أن مادة معينة يفرزها المرجان هي التي تتسبب في رد الفعل العاطفي، بينما ادعى علماء آخرون أن هذا ترهات. على أي حال، بحلول نهاية العام، كانت أصابع جميع الناس على الكرة الأرضية صفراء.
باستثناء واحد.
كان اسمه غونار، وكان كاتب إثارة وتشويق نرويجي.
كان غونار يلجأ في كل شتاء إلى كوخه في قلب الأدغال لكي يكتب، وفقط بعد ذوبان الثلوج كان يعود إلى قريته. [اعتاد أهل بلدته أن يرحبّوا به بحرارة عند عودته. فقد عرفه معظمهم منذ أن كان طفلاً. لكن هذه المرة، عندما عاد ابتعد عنه الجميع، دون استثناء، كما لو كان معديًا. لو كان برازيليًا أو أسترالياً لسألهم تبّا ما مشكلتكم، لكنه لم يكن كذلك. لذا انتظر وصول ابنته كاميلا لزيارته. لطالما أجادت التقريب بينه وبين العالم.
وصلت كاميلا في نهاية الأسبوع. أخذها من محطة القطار. ما أن مرت ثانيتان فقط، من اللحظة التي رآها فيها، حتى اللحظة التي تنبّهت أنه رآها فيها، ولكن خلال هاتين الثانيتين اجتازت بدماغه أفكار عديدة: كم هي جميلة؛ كم هي تشبه أمها. اشتقت لها، ألا تشعر ببرودة الطقس بهذه السترة؟ فالحب أمر رائع. الحب أمر مؤلم -
لوّحت له، تماما كما كانت تلوح عندما كانت صغيرة، وركضت نحو السيارة.
جلسا أولاً لتناول طبق كوميلا، وجبتها المفضلة (كانت والدتها تعدّه لها، وبعد وفاتها حاول أن يقوم مقامها). ثم سألها عن أحوالها وحياتها، فأخبرته أنها طردت ستيفانو، صديقها الإيطالي من شقتها في أوسلو. هزّ رأسه متفهمًا، ولكن بركانًا من الفرح انبثق بداخله؛ لم يكن يطيق ستيفانو هذا مطلقا.
فقط بعد تناولهما القهوة (قهوته سوداء، وهي لا)، أخبرها عن الطريقة الغريبة والمقلقة التي ردّ فيها السكان المحليون عليه منذ عودته من الكتابة من كوخه. النظرات. الهمسات.
"أخبريني بالحقيقة" طلب منها، "هل لدي شيء بغير ما يرام؟"
نظرت في عينيه، وكأنها تريد أن تجد وميضًا مريبًا فيهما. ثم تطلّعت في وجهه، صدره، كل جسمه، وقالت: "لا". ثم نظرت مرة أخرى متفحّصة، ولاحظت أصابعه. قالت "انتظر" وهي تأخذ يده. "أنا لا أصدق إنها ليست صفراء!"
"لماذا يجب أن تكون أصابعي صفراء"؟ تساءل. لم يكن متأكدًا إذا كانت تسخر منه أم لا (كانت والدتها تميل إلى القيام بذلك).
وأخبرته حينها عن الوباء.
"دعيني أفهم" سألها حين انتهت، "أأنا الوحيد في العالم أصابعي ليست صفراء؟"
أجابت: "يبدو، لكن يمكن معالجة ذلك بسهولة".
رفعت يدها عاليا وطلبت منه أن يحذو حذوها. شعر في قلبه بشيء من الأسف، ومع ذلك أومأ برأسه موافقًا، ورفع كفه وألصقه بكفها.
وقالت "إن الأمر يستغرق من أربع إلى ثماني ساعات". "حتى الفطور، ستكون كالجميع".
لم يكن مثل الجميع حتى الفطور.
حاولت المزاح بقولها: "ربما مع الإصرار، يستغرق هذا وقتًا أطول"، لكنه هتف، "انظري، كاميلا، أصابعك!"
لم تعد صفراء بعد. ولا حتى واحدة منها. اختفى اللون الأصفر تماما.
وجلسا صامتين وهما يحتسيان قهوة الصباح (له أو لها، سوداء لها).
هما الشخصان الوحيدان اللذان بدون أصابع صفراء، في عالم على وشك أن يتغير مرة أخرى.

إقرأ أيضا ...
كتب مفتوحة
حتى نستطيع الاستمرار
عوالم تحت الأرض
شباك الحرية
ملكة الثلج
كتب للمتسجلين
رسالة الغفران
اتكلم جميع اللغات ولكن بالعربية
الصبي والساحر
رمزي وقطته
كتب بريميوم
قميص لتغليف الهدايا
الشيطان والآنسة بريم
كيف تنجح مبادرتك
ماكيت القاهرة