مباشر
مَكْتَبَةُ الْمَنارَةِ الْعالَمِيَّةِ
بِمَوقِعِها ArabCast.org
ألْمَكْتَبَةُ الْعَرَبِيَةُ الْأولى
لِلْأشْخَاصِ مَعَ إِعاقَةٍ في الْقِراءَةِ
قصص وروايات /

عوالم تحت الأرض

عوالم تحت الأرض

عوالم تحت الأرض

اسم المؤلف: وهيب نديم وهبة
اسم القارئ: عبير شاهين خطيب
النسخ المتاحة:
وهيب نديم وهبة
 
عَوَالِمُ تَحْتَ ﭐلْأَرْضِ
 
الرّسومات: 
إيمان كنعان 
 
 
الطبعة الأولى
2021
 
إصدار:
سهيل عيساوي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
   
 
عَوَالِمُ تَحْتَ ﭐلْأَرْضِ
 
 
مَشْهَدٌ فِي غَايَةِ ﭐلْجَمَالِ، يَغْرَقُ فِي وَدَادِ ﭐلْوِهَادِ وَﭐلْجِبَالِ. أَلزَّهْرُ يُرَاقِصُ ﭐلرِّيحَ ﭐلْخَفِيفَةَ عَلَى نَغَمَاتِ طَائِرٍ فَوْقَ مَلَاعِبِ ﭐلشَجَرِ.
 
طَارَ وَغَطَّ أَمَامِي، ثُمَّ أَدْغَلَ فِي ﭐلسَّفَرِ. أَبْصَرْتُ كَالْمَنَامِ كَيْفَ عَادَ وَلَفَّ وَدَارَ وَحَلَّقَ عَالِيًا، ثُمَّ سَقَطَ فِي حُفْرَةٍ عَمِيقَةٍ. أَلطَّبِيعَةُ ﭐلسَّاحِرَةُ أَمَامِي، سَرَقَتْنِي فِي لَحْظَةِ يَقَظَةٍ إِلَى غَفْلَةٍ  مِنَ ﭐلزَّمَنِ. 
 
هُوَ ﭐلْكَرْمِلُ، سَجَّادَةٌ مِنَ ﭐلْعُشْبِ وَﭐلزَّهْرِ وَرُوحِ ﭐلشَّجَرِ ﭐلْمَغْرُوسِ بِتَعَبِ ﭐلْإِنْسَانِ. تَتَنَفَّسُ ﭐلْأَرْضُ ﭐلْآنَ نَبَضَاتِ ﭐلْعَابِرِينَ مِنَ ﭐلْحَاضِرِ إِلَى غَيَاهِبِ ﭐلْمَاضِي.
 
يَعِيشُ ﭐلْكَرْمِلُ مَعَ وِجْدَانِ ﭐلتُّرَابِ حِكَايَةَ عِشْقٍ وَبُطُولَةٍ، وَنَبْعُهُ مَاءٌ وَسِبَاقُ خُيُولٍ. أَنْتَ تُدْرِكُ أَنَّ لَكَ قَلْبًا يَنْبِضُ بِالْحَنِينِ حِينَ تُبْصِرُ ﭐلْكَرْمِلَ وَﭐلْبَحْرَ وَﭐلسَّمَاءَ الَّتِي تُعَانِقُ ﭐلْأُفُقَ.
 
 قَلْبِي يَحْتَرِقُ، أَيْنَ سَقَطَ ﭐلطَّيْرُ؟ أَصْعَدُ إِلَى وَسَطِ ﭐلْجَبَلِ، أَقْتَرِبُ مِنَ ﭐلْحُفْرَةِ، أَنْظُرُ حَوْلِي، هٰذِهِ لَيْسَتْ حَفْرَةً بِفِعْلِ ﭐلْإِنْسَانِ... رُبَّمَا تَكَوَّنَتْ بِقُدْرَةٍ خَارِقَةٍ، أَوْ أَنَّهَا صَارَتْ بِقُوَّةِ ﭐلطَّبِيعَةِ.
إِنَّهَا ﭐلْبِئْرُ، قَالُوا لِي، هُنَالِكَ فِي وَسَطِ ﭐلْجَبَلِ. أَحَقًّا هُنَا كَانَتِ ﭐلْبِئْرُ؟ إِقْتَرَبَ مِنِّي ﭐلرَّاعِي ﭐلَّذِي كَانَ بِالْجِوَارِ وَبَعْدَ ﭐلتَّحِيَّةِ قَالَ: "عَمَّا تَبْحَثُ هُنَا؟"
   
قُلْتُ: "يُقَالُ إِنَّ فِي هٰذِهِ ﭐلْمِنْطَقَةِ مَغَارَاتٍ وَمَجْمُوعَةً مِنَ ﭐلْكُهُوفِ ﭐلْأَثَرِيَّةِ ﭐلْقَدِيمَةِ ﭐلَّتِي سَكَنَها... اسْتَوْطَنَها ﭐلْإِنْسَانُ ﭐلْقَدِيمُ عَلَى مَدَى آلاَفِ ﭐلأَعْوَامِ... كَانَ جَبَلُ ﭐلْكَرْمِلِ فِي كُلِّ ﭐلْعُصُورِ مَأْهُولًا يَنْبِضُ بِالْحَيَاةِ... فِي كُلِّ ﭐلْفَتَرَاتِ ﭐلْجُيُولُوجِيَّةِ ﭐلْقَدِيمَةِ وَﭐلْمُعَاصِرَةِ. رُبَّمَا هٰذَا مَدْخَلٌ لِمَغَارَةٍ. قَبْلَ قَلِيلٍ دَخَلَ جَوْفَ هٰذِهِ ﭐلْحُفْرَةِ أَوِ ﭐلْكَهْفِ أَحَدُ ﭐلطُّيُورِ وَلَمْ يَخْرُجْ."
غَادَرَنِي ﭐلرَّاعِي وَهُوَ يَضْحَكُ، رُبَّمَا ظَنَّ بِي ﭐلظُّنُونَ أَوْ أَنَّنِي مَجْنُونٌ. أَيْنَ ﭐخْتَفَى ﭐلطَّيْرُ؟ أُحَاوِلُ ﭐلنُّزُولَ. أَلْحُفْرَةُ عَمِيقَةٌ، تَحْتَاجُ إِلَى ﭐلْحَبْلِ أَوِ ﭐلْقَفْزِ، وَهٰذِهِ مُغَامَرَةٌ، مُجَازَفَةٌ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ.
 
 أَلتَّفْكِيرُ يَقُودُنِي بِلَا جَهْدٍ إِلَى جِذْعِ شَجَرَةٍ لَعِبَتْ فِيهِ ﭐلرِّيحُ وَسَقَطَ عَلَى ﭐلْأَرْضِ. 
أَجُرُّ جِذْعَ ﭐلشَّجَرَةِ حَتَّى ﭐلْحُفْرَةِ، يَسْقُطُ ﭐلْجِذْعُ وَيَخْتَفِي كَمَا حَدَثَ مَعَ ﭐلطَّيْرِ.
 
ﭐلْآنَ أُدْرِكُ أَنَّ ﭐلْمَسَافَةَ عَمِيقَةٌ وَلَا بُدَّ لِي مِنَ ﭐلْحَبْلِ وَشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ. أَعُودُ غَدًا.
 
أَللَّيْلُ يَطُولُ، وَعَقْلِي لَا يَكُفُّ عَنِ ﭐلتَّفْكِيرِ. مَاذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ؟ أَلطَّيْرُ ﭐخْتَفَى وَﭐلْجِذْعُ سَقَطَ بِسُرْعَةِ ﭐلْبَرْقِ وَغَابَ عَنِ ﭐلْبَصَرِ. 
لَا بُدَّ لِي مِنْ وَسِيلَةٍ أَفْضَلَ مِنَ ﭐلْحَبْلِ، لَيْسَتْ تَمَامًا أَفْضَلَ، بَلْ أَكْثَرَ جَدْوَى. هٰذِهِ هِيَ ﭐلْمَسْأَلَةُ، أَلْفَرْقُ مَا بَيْنَ ﭐلتَّسَلُّقِ إِلَى ﭐلْأَعْلَى وَﭐلنُّزُولِ إِلَى ﭐلْأَعْمَاقِ كَبِيرٌ، كَبِيرٌ جِدًّا. 
أَنْتَ تُبْصِرُ أَعْلَى ﭐلْجَبَلِ وَأَنْتَ تَصْعَدُ، وَهُنَا أَنْتَ تَسْقُطُ إِلَى ﭐلْأَسْفَلِ – إِلَى ﭐلْهَاوِيَةِ، رُبَّمَا تَسْقُطُ... رُبَّمَا تَخْتَفِي... أَلنُّعَاسُ وَحْدَهُ يَقْطَعُ دُرُوبَ ﭐلتَّفْكِيرِ وَيُغْمِضُ ﭐلْعَيْنَيْنِ فَتَنَامُ ﭐلْكَلِمَاتُ عَلَى شَفَتَيَّ حَتَّى ﭐلصَّبَاحِ. 
 
بَعْدَ أَنْ خَلَعَ ﭐللَّيْلُ ثِيَابَ ﭐلسَّوَادِ وَﭐرْتَدَى ﭐلنَّهَارُ ثِيَابَ ﭐلْبَيَاضِ خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِي، وَكُلُّ تَفْكِيرِي وَنَشَاطِي وَإِعْدَادِي لِلْمُهِمَّةِ فِي كَامِلِ ﭐلِاسْتِعْدَادِ لِلتَّنْفِيذِ.
 
أَحْتَاجُ إِلَى مُعَدَّاتٍ صَغِيرَةِ ﭐلْحَجْمِ لِلْحَفْرِ وَرُبَّمَا لِتَسْهِيلِ ﭐلِاخْتِرَاقِ وَإِلَى ﭐلْحَبْلِ ﭐلْمَتِينِ وَتِلْكَ ﭐلرَّبْطَةِ ﭐلْخَاصَّةِ عَلَى ﭐلْخَصْرِ. 
هُنَا لَا شَيْءَ مُتَوَقَّعٌ، فَقَدْ يَكُونَ كُلُّ تَفْكِيرِي خُرَافَةً، وَلَا شَيْءَ هُنَاكَ. 
حَيْرَتِي لَنْ تَطُولَ. أَنَا فِي طَرِيقِي إِلَى ﭐلسُّوقِ وَﭐلْأَشْيَاءُ ﭐلَّتِي أَحْتَاجُهَا تَأْتِي وَحْدَهَا مِنَ ﭐلْمُشَاهَدَةِ.
 
لِلصُّعُودِ يَحْتَاجُ ﭐلْمُتَسَلِّقُ إِلَى ﭐلْبِذْلَةِ ﭐلْخَاصَّةِ وَﭐلْعَصَا ﭐلَّتِي تَتَحَوَّلُ حِينَ تُفْتَحُ إِلَى أَرْبَعِ أَرْجُلٍ تُسَاعِدُ ﭐلْمُتَسَلِّقَ فِي ﭐلْجِبَالِ. 
أَلْبِذْلَةُ خَفِيفَةُ ﭐلْوَزْنِ حَتَّى لَا يَتَسَرَّبَ ﭐلْمَاءُ دَاخِلَهَا إِنْ كَانَتْ هُنَالِكَ رُطُوبَةٌ. عُلْبَةٌ مِنَ ﭐلرَّشِّ تُشَكِّلُ طَبَقَةً تَمْنَعُ ﭐلرُّطُوبَةَ وَﭐقْتِرَابَ ﭐلْحَشَرَاتِ.
 
يَجِبُ أَنْ أُحْصِّنَ نَفْسِي فِي ﭐلنُّزُولِ إِلَى أَعْمَاقِ ﭐلْحُفْرَةِ، هٰذَا هُوَ ﭐلْهَاجِسُ ﭐلَّذِي يُسَيْطِرُ عَلَى تَفْكِيرِي. أَلْبَحْثُ، أَلِاخْتِرَاعُ، أَلْمُجَازَفَةُ، إِكْتِشَافُ ﭐلْعَالَمِ ﭐلْمَسْتُورِ، هٰذَا ﭐلتَّوَغُّلُ ﭐلْفِكْرِيُّ النَّابِعُ مِنْ مَحَبَّتِي ﭐلْعَمِيقَةِ لِكَيْ أُبْصِرَ ﭐلْعَالَمَ أَجْمَلَ – أَجْمَلَ لِلْأَجْيَالِ ﭐلْحَاضِرَةِ وَﭐلْقَادِمَةِ.
أَقْتَرِبُ مِنْ مَتْجَرِ ﭐلْمُعَدَّاتِ، أَقْتَنِي مَا يَلْزَمُنِي - أَلْحَبْلَ وَﭐلطَّوْقَ وَآلَةً صَغِيرَةً لِلْحَفْرِ، وَﭐلْبَقِيَّةُ ﭐلْآنَ مَعِي وَعِنْدِي فِي ﭐلْبَيْتِ - جِهَازُ ﭐلِاتِّصَالِ وَﭐلصُّنْدُوقُ ﭐلصَّغِيرُ مَعَ بَعْضِ ﭐلْأَدْوِيَةِ. لَنْ أُشْغِلَكَ أَكْثَرَ وَأَنْتَ تُرَافِقُ خُطُوَاتِي فِي طَرِيقِي لِلْمُهِمَّةِ.
أَعُودُ إِلَى ﭐلْبَيْتِ لِلتَّرْتِيبِ. كُلُّ ﭐلْأَغْرَاضِ جَاهِزَةٌ وَحَقِيبَتِي ﭐلْجِلْدِيَّةُ تَصْلُحُ لِلْمُهِمَّةِ. أَسْتَطِيعُ ﭐلْآنَ ﭐلنَّوْمَ بِسَلَامٍ، وَعِنْدَ بُزُوغِ ﭐلْفَجْرِ تَبْدَأُ اَلْمُهِمَّةُ. 
أَلْآنَ لَا أَحَدَ يَشُكُّ بِأَنَّ ﭐلْأَرْضَ كُرَوِيَّةٌ، لٰكِنَّ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ بَاطِنَ ﭐلْأَرْضِ لَيْسَ مَأْهُولًا بِالسُّكَّانِ؟ مَرَّةً أُخْرَى يَأْخُذُنِي ﭐلْفِكْرُ إِلَى ﭐخْتِفَاءِ ﭐلطَّائِرِ، هٰذَا ﭐلْجُنُونُ ﭐلَّذِي يَجْتَاحُنِي، كُمْ أَتَمَنَّى أَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ بِنَتِيجَةٍ وَاضِحَةٍ. مِنْ شِدَّةِ ﭐلتَّفْكِيرِ فِي ﭐلْعَوَالِمِ ﭐلْأُخْرَى أَسْتَلْقِي عَلَى كُرْسِيِّ ﭐلْخَيْزُرَانِ وَأَنَامُ.
 
أَلصَّبَاحُ يَفْتَحُ ﭐلْيَدَيْنِ لِاسْتِقْبَالِ ﭐلْمَجْهُولِ. لَا أَحَدَ يَعْلَمُ ﭐلْغَيْبَ، هٰذَا هُوَ ﭐلسِّرُّ اَلْكَبِيرُ لِبَقَاءِ ﭐلْإِنْسَانِ. مَاذَا يَحْمِلُ ﭐلْغَدُ؟...
بَعْدَ ﭐلْجَهْدِ وَﭐلتَّعَبِ وَمُوَاصَلَةِ ﭐلْمَسِيرِ، وَﭐلْحَمْلِ ﭐلثَّقِيلِ وَقَطْعِ تِلْكَ ﭐلْمَسَافَةِ بِالصَّبْرِ وَﭐلْمُجَازَفَةِ وَصَلْتُ إِلَى وَسَطِ ﭐلْجَبَلِ.                                               
تَمَلَّكَنِي ﭐلشُّعُورُ بِالرَّهْبَةِ، مَاذَا لَوْ خَرَجَ ﭐلطَّيْرُ مِنَ ﭐلْحُفْرَةِ... إِشْتَعَلَ رَأْسِي بِالنَّارِ حَتَّى ﭐصْطَدَمَ بِالْوَاقِعِ... إِنْ خَرَجَ ﭐلطَّيْرُ، فَكَيْفَ لِجِذْعِ ﭐلشَّجَرَةِ أَنْ يَخْرُجَ؟ إِبْتِسَامَةٌ شَاحِبَةٌ ظَهَرَتْ وَﭐخْتَفَتْ - أَلْآنَ اَلْمَلَائِكَةُ وَﭐلشَّيَاطِينُ تَسْخَرُ مِنِّي.
 
أَقْتَرِبُ مِنْ جِذْعِ أَقْرَبِ شَجَرَةٍ إِلَى ﭐلْحُفْرَةِ،  أَرْبُطُ حَوْلَ ﭐلْجِذْعِ ﭐلْحَبْلَ ﭐلْأَوَّلَ. كَمْ أَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ طُولُ ﭐلْحَبْلِ كَيْ أَسْتَطِيعَ ﭐكْتِشَافَ أَعْمَاقِ ﭐلْحُفْرَةِ؟ عَشْرَةُ أَمْتَارٍ، عِشْرُونَ؟ كَيْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَهْبِطَ لِلْأَعْمَاقِ بِلَا خَوْفٍ؟ يَكْفِي عِشْرُونَ مِتْرًا. أَلْحَبْلُ ﭐلْأَوَّلُ مَرْبُوطٌ تَمَامًا وَﭐلْحَبْلُ ﭐلثَّانِي حَوْلَ خَصْرِي وَأَكْتَافِي وَﭐلْحَقِيبَةُ فَوْقَ ظَهْرِي وَبِذْلَتِي ﭐلْآنَ ضِدُّ اَلرُّطُوبَةِ. إِنْ خَانَتْنِي قُوَايَ وَسَقَطْتُ إِلَى قَاعِ ﭐلْحُفْرَةِ أَوِ ﭐلْبِئْرِ كَمَا يُقَالُ – فَسَأَسْتَطِيعُ ﭐلصُّعُودَ بِوَاسِطَةِ ﭐلْحَبْلِ ﭐلْأَوَّلِ. 
   
أَنْظُرُ حَوْلِي، لَا أَحَدَ، حَتَّى ﭐلرَّاعِي لَنْ يَصِلْ قَبْلَ سَاعَاتِ ﭐلظَّهِيرَةِ إِلَى هَا هُنَا... مَا زِلْنَا فِي سَاعَاتِ ﭐلصَّبَاحِ ﭐلْأُولَى، وَوَهَجُ ﭐلضِّيَاءِ يَغْمُرُ ﭐلْمَكَانَ. أَلرِّحْلَةُ جَاهِزَةٌ، أُمْسِكُ أَوَّلَ ﭐلْحَبْلِ، أَبْدَأُ بِالنُّزُولِ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ وَبِغَايَةِ ﭐلْبُطْءِ حَتَّى لَا يُصَابَ ﭐلْعَقْلُ بِالدَّوَرَانِ أَوِ ﭐلْجَسَدُ بِالتَّعَبِ.
 
أَلْهُبُوطُ ﭐلْبَطِيءُ يَمْنَحُكَ ﭐلتَّحَكُّمَ فِي وَضْعِ ﭐلْقَدَمَيْنِ حَوْلَ ﭐلْحَبْلِ بِوَاسِطَةِ قِطْعَةٍ حَدِيدِيَّةٍ تَلْتَفُّ حَوْلَ ﭐلْحَبْلِ وَتَمْنَعُهُ من ﭐلتَّحَرُّرِ أَوِ ﭐلتَّحَرُّكِ فِي ﭐتِّجَاهَاتٍ كَثِيرَةٍ.
  
أَكْثَرَ مَا سَاعَدَنِي فِي ﭐلنُّزُولِ كَانَتِ ﭐلْقُبَّعَةُ ﭐلَّتِي عَلَى رَأْسِي وَﭐلْمِصْبَاحُ ﭐلْأَمَامِيُّ فِي أَعْلَى ﭐلْقُبَّعَةِ. 
كُنْتُ قَدْ وَضَعْتُ فَوْقَ ﭐلْحَبْلِ عَلَامَاتٍ مَا بَيْنَ ﭐلْمِتْرِ وَﭐلْآخَرِ كَيْ أَعْرِفَ مِقْدَارَ ﭐلْأَمْتَارِ ﭐلَّتِي قَطَعْتُهَا. بَعْدَ ﭐلْمِتْرِ ﭐلْعَاشِرِ خَيَّمَتِ ﭐلْعَتَمَةُ وَلَوْلَا ﭐلْمِصْبَاحُ ﭐلْمُشِعُّ لَمَا أَبْصَرْتُ ﭐلْعَلَامَةَ.
 
أَلرُّوَّادُ ﭐلَّذِينَ يَكْتَشِفُونَ ﭐلْمَنَاجِمَ مَهَّدُوا لَنَا ﭐلطَّرِيقَ. عَلَيْنَا ﭐلِاعْتِرَافُ بِتَجَارِبِ ﭐلْآخَرِينَ. أَلْمَعْرِفَةُ هِيَ ﭐلْكَنْزُ ﭐلْبَشَرِيُّ ﭐلَّذِي مَنَحَ ﭐلْعَالَمَ نَهْضَةَ تَطَوُّرِ حَضَارَاتِ ﭐلشُّعُوبِ. 
كَيْفَ يُمْكِنُنِي عَقْلِي أَنْ أَتَجَوَّلَ فِي حُقُولِ ﭐلْمَعْرِفَةِ وَأَنَا لَا أُدْرِكُ نِهَايَةَ ﭐلْبِئْرِ، أَشْعُرُ ﭐلْآنَ بِالْبُرُودَةِ وَمَا زَالَتْ أَقْدَامِي مُعَلَّقَةً بِالْحَبْلِ.
  
لَوْلَا ﭐلْقُفَّازَاتُ ﭐلْجِلْدِيَّةُ ﭐلْوَاقِيَةُ ﭐلَّتِي تَحْمِي ﭐلْيَدَيْنِ ﭐلْقَابِضَتَيْنِ عَلَى ﭐلْحَبْلِ، رُبَّمَا كَانَتَا ﭐلْآنَ تَنْزِفِانِ دَمًا. قَطَعْتُ مَسَافَةً طَوِيلَةً. أنَا أَقْتَرِبُ الْآنَ مِنْ نِهايَةُ الْحَبْلِ صَارَتْ قَرِيبَةً.
 
يَرْتَعِدُ جَسَدِي، أَقْدَامِي تُلَامِسُ أَرْضِيَّةً صُلْبَةً. لَا أَسْتَطِيعُ تَرْكَ ﭐلْحَبْلِ ﭐلَّذِي مَا زَالَ مَرْبُوطًا حَوْلَ خَصْرِي. يَجِبُ أَنْ أَكُونَ عَلَى يَقِينٍ أَنَّنِي أَقِفُ فِي مِنْطَقَةٍ آمِنَةٍ. بِحَرَكَةٍ مِنْ رَأْسِي يَتِمُّ تَحْوِيلُ ﭐلضَّوْءِ إِلَى أَرْضِيَّةِ ﭐلْمَكَانِ. حَقًّا أُبْصِرُ ﭐلتُّرْبَةَ، وَلٰكِنّي لَا زِلْتُ أَرَى أَمامِي فراغًا مُظْلِمًا وَهاوِيَةً وَأَنَا أَقِفُ فَوْقَ قِطْعَةٍ صَغِيرَةٍ مِنَ ﭐلتُّرْبَةِ... 
فَجْأَةً أَشْعُرُ خَلْفِي بِالضَّوْءِ. أَسْتَدِيرُ بِسُرْعَةٍ لِلْمُشَاهَدَةِ، يَبْدُو كَأَنَّهُ ﭐلسِّرْدَابُ. لَعَلَّهُ ﭐلضَّوْءُ ﭐلْقَادِمُ ﭐلَّذِي جاءَ لِيشَجّعَني على الِاسْتِمْرَارِ.
أَتْرُكُ ﭐلْحَبْلَ، أَنْحَنِي وَأَسِيرُ مُبَاشَرَةً فِي ﭐلسِّرْدَابِ، يَقُودُنِي ﭐلضَّوْءُ. إِنْدِهَاشِي جَعَلَ صَرْخَتِي تُسْمَعُ وَتَهُزُّ أَرْكَانَ ﭐلْمَكَانِ. سَاحَةٌ فَسِيحَةٌ تَحْتَ ﭐلْأَرْضِ، مَنْ يَتَصَوَّرُ ﭐلْمَنْظَرَ... هَيَاكِلُ بَشَرِيَّةٌ وَعِظَامٌ بِلَا نِظَامٍ عَلَى جَوَانِبِ ﭐلسَّاحَةِ. أَلصَّمْتُ يُخَيِّمُ عَلَى ﭐلْمَكَانِ.
مِنْ هَوْلِ ﭐلْمَشْهَدِ نَسِيتُ حَقِيبَتِي فَوْقَ ظَهْرِي. أَسْتَطِيعُ ﭐلْآنَ أَنْ أَرْتَاحَ قَلِيلًا قَبْل مُوَاصَلَةِ ﭐلسَّفَرِ. هَلْ مَعِي مَا يَكْفِينِي مِنْ طَعَامٍ؟ هٰكَذَا هُوَ ﭐلْإِنْسَانُ حِينَ يَدُقُّ جَرَسُ ﭐلْإِنْذَارِ، أَوَّلًا يُفَكِّرُ بِالطَّعَامِ وَﭐلشَّرَابِ، تِلْكَ هِيَ غَرِيزَةُ ﭐلْبَقَاءِ. 
مُتْعَبٌ أَنَا، هَلْ أَسْتَطِيعُ ﭐلنَّوْمَ هُنَا؟ هٰذَا هُوَ ﭐلْعَقْلُ ﭐلْبَشَرِيُّ، لَا يَكُفُّ عَنِ ﭐلسُّؤَالِ.
 
لِمَاذَا فِي قِمَّةِ ﭐلْخَوْفِ وَﭐلرَّهْبَةِ تَقْتَرِبَ مِنَّا ﭐلْخَيْبَاتُ وَلَيْسَ ﭐلْأُمْنِيَاتُ؟ يَجْعَلُنِي هٰذَا ﭐلْمَكَانُ حَكِيمًا فِي لَحَظَاتٍ... مَنْ يَحْتَاجُ هُنَا إِلَى ﭐلْحِكْمَةِ، وَطَرِيقِي ﭐلْآنَ مَجْهُولُ ﭐلِاتِّجَاهَاتِ. أُصْمُتْ، أَيُّهَا ﭐلْعَقْلُ، يَجِبُ أَنْ أَرْتَاحَ قَلِيلًا رَغْمَ ﭐلْأَفْكَارِ ﭐلسَّوْدَاءِ. 
كَيْفَ نِمْتُ؟ كَمْ مِنَ ﭐلْوَقْتِ مَضَى؟ لَا أَحَدَ هُنَا. أَفْكَارِي مُشَتَّتَةٌ وﭐلْخَوْفُ يَقُودُنِي إِلَى اَلْمَعِدَةِ. أَتَنَاوَلُ ﭐلْقَلِيلَ مِنَ ﭐلْمَاءِ وَﭐلطَّعَامِ وَأَبْدَأُ رِحْلَةَ ﭐلْبَحْثِ.
 
أَلْآنَ أُدْرِكُ لِمَاذَا جِذْعُ ﭐلشَّجَرَةِ ﭐخْتَفَى. كَانَتْ أَمَامِي هَاوِيَةٌ عَمِيقَةٌ، حَتْمًا سَقَطَ فِيهَا أَلطَّيْرُ، رُبَّمَا قَدْ وَجَدَ ﭐلسِّرْدَابَ، وَهُوَ ﭐلْآنَ هُنَا، فِي مَكَانٍ مَا. وَهٰذَا ﭐلْمَكَانُ، حَتَّى لَوْ كَانَ مَقْبَرَةً تَرَاكَمَتْ فَوْقَهَا ﭐلصُّخُورُ وَﭐلتُّرَابُ، لَهُ مَخَارِجُ وَمَدَاخِلُ، وَرُبَّمَا كَانَتْ لَهُ فِي ﭐلْمَاضِي بَوَّابَاتٌ.
أَتَجَوَّلُ فِي أَرْجَاءِ ﭐلْمَكَانِ. حَتَّى ﭐلْجُدْرَانُ ﭐلْمُشَقَّقَةُ تَبْدُو وكَأَنَّهَا نُقُوشٌ لِفَتْرَةٍ خَلَتْ. لَيْسَ هٰذَا مَا يُشْعِلُ ﭐلنَّارَ فِي قَلْبِي، بَلْ مَا يَكْتَنِفُ ﭐلْمَكَانَ مِنَ ﭐلْغُمُوضِ.
 
أَيْنَ أَنَا؟ أُحَاوِلُ ﭐلسَّيْطَرَةَ عَلَى أَعْصَابِي، أَفْقِدُ قُدْرَتِي عَلَى ﭐلتَّفْكِيرِ. تَتَعَثَّرُ قَدَمَيَّ. فُوَّهَةٌ فِي ﭐلْأَرْضِ تُفْتَحُ وَأَسْقُطُ... هٰذَا ﭐلسُّقُوطُ ﭐلْحُرُّ بِاتِّجَاهِ مَرْكَزِ ﭐلْأَرْضِ بِفِعْلِ ﭐلْجَاذِبِيَّةِ ﭐلَّتِي تَدْفَعُنِي نَحْوَ ﭐلْأَعْمَاقِ.
لَا أَسْتَطِيعُ ﭐلتَّوَقُّفَ، لَا أَسْتَطِيعُ ﭐلسَّيْطَرَةَ. أَنْجَذِبُ بِقُوَّةٍ هَائِلَةٍ، وَﭐلْهَوَاءُ يُحِيطُنِي كَمَا ﭐلْغِلَافِ ﭐلْوَاقِي.
 
أَسْتَقِرُّ فَوْقَ أَرْضِيَّةٍ صُلْبَةٍ، أُحَاوِلُ جَمْعَ أَفْكَارِي، لَا حَقِيبَتِي مَعِي، وَلَا ﭐلْمُعَدَّاتُ. مَا حَرَّرَ فِكْرِي وَمَنَحَنِي حُرِّيَّتِي كَانَ وَضْعُ قَدَمَيَّ فِي مَكَانٍ فَسِيحٍ، فَسِيح جِدًّا. أَمَامِي مَبَانٍ مُتوَاضَعةُ ﭐلِارْتِفَاعِ وَشَوَارِعُ وَطُرُقَاتٌ ضَيِّقَةٌ. تَشْعُرُ أَنَّكَ فِي مَدِينَةِ ﭐلْمَلَاهِي. هٰذَا مَا أَبْهَرَنِي وَأَزَالَ خَوْفِي، قَلَقِي، وَشِدَّةَ أَعْصَابِي. رُبَّمَا أَنَا فَوْقَ ﭐلْأَرْضِ أَوْ تَحْتَهَا، مَنْ يَدْرِي...
 
لُعْبَةٌ كَانَتْ، مُجَازَفَةٌ، مُجَرَّدُ فُضُولٍ لِلْمَعْرِفَةِ تَحَوَّلَ إِلَى رِحْلَةٍ مُثِيرَةٍ تَحْمِلُ ﭐلدَّهْشَةَ وَﭐلْغَرَابَةَ. 
كَيْفَ أَصِفُ لَكُمُ ﭐلْمَشْهَدَ؟ أَلْمُنَاخُ رَطْبٌ، تَشْعُرُ بِالرُّطُوبَةِ تُدَاعِبُ جَسَدَكَ، لِهٰذَا ﭐلنَّبَاتَاتُ ﭐلْمُورِقَةُ تَبْدُو مُتَأَلِّقَةً وَجَمِيلَةً. 
حَتَّى ﭐلْهَوَاءُ يَحْمِلُ تِلْكَ ﭐلرُّطُوبَةَ ﭐلَّتِي تُشْعِرُكَ بِالْبُرُودَةِ فَيَخْرُجُ ﭐلْبُخَارُ من ﭐلْفَمِ عِنْدَ ﭐلْحَدِيثِ.
وَقَبْلَ أَنْ أَسْتَرْسِلَ فِي ﭐلْحَدِيثِ عَنْ بَهَاءِ ﭐلْمَكَانِ، لَا أَدْرِي كَيْفَ كَانَتْ حَوْلِي كَائِنَاتٌ تُشْبِهُ ﭐلْبَشَرَ، مَخْلُوقَاتٌ غَرِيبَةٌ تُحِيطُ ﭐلْمَكَانَ... 
لَا صَوْتَ، لَا حَرَكَةَ، مِنْ أَيْنَ خَرَجَتْ تِلْكَ ﭐلْمَخْلُوقَاتُ ﭐلْغَرِيبَةُ وَكَيْفَ أَتَتْ؟...
 
لَا أَتَحَرَّكُ، أَقِفُ فِي مَكَانِي كَالتِّمْثَالِ.
 
قَامَتُهُمْ قَصِيرَةٌ، بُنْيَةُ جَسَدِهِمْ قَوِيَّةٌ، وَقْفَتُهُمْ تَدُلُّ عَلَى نِظَامٍ وَحَزْمٍ وَعَزِيمَةٍ. يَتَقَدَّمَ مِنِّي أَحَدُهُمْ، يَتَحَدَّثُ مَعِي. 
لَا أَفْهَمُ شَيْئًا، أُحَاوِلُ بِالْإِشَارَاتِ أَنْ أَقُولَ إِنَّنِي مِنْ سُكَّانِ ﭐلْأَرْضِ. كَيْفَ أَشْرَحُ لَهُمْ أَنَّنِي مُقِيمٌ فَوْقَ ﭐلْأَرْضِ وَهُمْ تَحْتَ ﭐلْأَرْضِ؟ سَوْفَ يَسْخَرُونَ مِنِّي. 
 
بِإِشَارَةِ تَفَوُّقِ ﭐلذَّكَاءِ أَعْرِفُ بِالْحَوَاسِّ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَنِيفِينَ. فَقَدْ كَانَتْ لَهْجَتُهُ مَعِي رَقِيقَةً جِدًّا، وَرَغْمَ أَنِّي لَمْ أَفْهَمْ شَيْئًا مِمَّا يَقُولُ، أَدْرَكَتُ بِالْعَقْلِ أَنَّهُ يُحَقِّقُ مَعِي مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُ.
 
تَضِيع ﭐللُّغَةُ وَﭐلْإِشَارَاتُ فِي ﭐلْهَوَاءِ وَيَمْضِي ﭐلْوَقْتُ. يَتَقَدَّمَ ﭐلرَّجُلُ ﭐلثَّانِي، أَلْآنَ أَنْتَبِهُ لِلْخُطُوَاتِ وَتِلْكَ ﭐلْهَيْئَةِ ﭐلَّتِي تَدِبُّ فِي أَعْمَاقِكَ ﭐلْفَزَعَ. أَقْدَامٌ تَدُقُّ فَوْقَ ﭐلْأَرْضِ كَالْحَدِيدِ، أَكْتَافٌ عَرِيضَةٌ، وُجُوهٌ... يَنْهَرُنِي بِصَوْتِهِ ﭐلْمُخْتَلِفِ. أَعُودُ إِلَى صَوَابِي، أَنْظُرُ إِلَيْهِ. يُخْرِجُ مِنْ جَيْبِهِ جِهَازًا صَغِيرَ ﭐلْحَجْمِ وَيُشِيرُ إِلَى فَمِي. أَتَحَدَّثُ بِلُغَتِي، أَنَا ﭐلْقَادِمُ مِنْ سَطْحِ ﭐلْأَرْضِ. يَضْحَكُ ﭐلرَّجُلُ وَيَضْحَكُ مَعَهُ ﭐلْجَمِيعُ. كَمَا قُلْتُ فِي سِرِّي رُبَّمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لَيْسَ هُنَالِكَ غَيْرَهُمْ فِي ﭐلْعَالَمِ. تَلْتَفُّ حَوْلِي ﭐلْمَجْمُوعَةُ وَيَقُودُونَنِي مَعَهُمْ.
 
أَسِيرُ مَعَهُمْ. أَعْرِفُ أَنَّ سُكَّانَ جَوْفِ ﭐلْأَرْضِ يَنْقَسِمُونَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ - أَلطَّيِّبُونَ وَﭐلشِّرِّيرُونَ وَﭐلرَّمَادِيُّونَ ﭐلَّذِينَ يَكْثُرُ نَسْلُهُمْ بِالِاسْتِنْسَاخِ. لِهٰذَا يَنْقُصُ لَدَيْهِمْ عَلَى مَرِّ ﭐلْعُصُورِ ﭐلْحَامِضُ اَلنَّوَوِيُّ، وَعِنْدَهَا يَلْجَؤُونَ إِلَى خَطْفِ ﭐلنَّاسِ ﭐلْعَادِيِّينَ، مِنْ اَلْبَشَر ﭐلْحَقِيقِيِّينَ، مِنْ سَطْحِ اَلْأَرْضِ، كَيْ يَسْتَمِرَّ نَسْلُهُمْ.
 
بَعْدَ بُرْهَةٍ مِنَ ﭐلسَّيْرِ تُفْتَحُ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ كَالنُّسُورِ وَيُحَلِّقُونَ فِي ﭐلْفَضَاءِ. جَسَدِي بَيْنَ أَجْنِحَتِهِمْ أَخَفُّ مِنَ ﭐلرِّيشَةِ، رُبَّمَا يَطِيرُونَ فَوْقَ مِنْطَقَةٍ تَمَّ فِيهَا بِالْمُطْلَقِ ﭐنْعِدَامُ ﭐلْجَاذِبِيَّةِ. أُحَاوِلُ ﭐلسَّيْطَرَةَ عَلَى أَفْكَارِي وَلَا أَسْتَطِيعُ. أَلْمَنْظَرُ ﭐلْخَلَّابُ يَسْرِقُكَ كَالْخَيَالِ. أَلسِّحْرُ وَحْدَهُ يُتَوِّجُ ﭐلْفَضَاءَ. ﭐلسُّحُبُ ﭐلْبَيْضَاءُ، وَتَحْتَكَ زُرْقَةُ ﭐلْمَاءِ ﭐلْغَامِقِ، وَتِلْكَ ﭐلنَّبَاتَاتُ ﭐلَّتِي تُطِلُّ عَلَيْكَ مِنْ كُلِّ ﭐلْجِهَاتِ، لَا لُغَةَ تَسْتَطِيعُ وَصْفَ جَمَالِهَا، بَدِيعَ مَنْظَرِهَا - أَزْهَارٌ شَاهِقَةٌ، أَزْرَارُهَا وُجُوهٌ وَأَيَادٍ، أَوْرَاقُهَا ﭐلْخَضْرَاءُ تَلْمَعُ مِنْ شِدَّةِ ﭐلِاخْضِرَارِ، وَتِلْكَ ﭐلنُّقُوشُ ﭐلْمَكْتُوبَةُ فَوْقَ ﭐلصُّخُورِ، وَهٰذِهِ ﭐلْمَخْلُوقَاتُ تُحَلِّقَ وَتَبْتَعِدُ... حَتَّى وَصَلْنَا إِلَى مَدِينَةٍ صَخْرِيَّةٍ، وَحَالَ هُبُوطِنَا إِلَى ﭐلسَّطْحِ ﭐلصُّلْبِ لِلْمَكَانِ كَانَ فِي ﭐنْتِظَارِنَا سُكَّانُ ﭐلْمَدِينَةِ. كَيْفَ عَرَفُوا عَنْ وُصُولِنَا؟ رُبَّمَا أَجْهِزَتُهُمُ ﭐلصَّغِيرَةُ ﭐلْقَادِرَةُ عَلَى ﭐلتَّرْجَمَةِ وَبَثِّ ﭐلْمَعْلُومَاتِ وَﭐلتَّخَابُرِ تَفُوقُ مَا تَوَصَّلْنَا إِلَيْهِ نَحْنُ ﭐلْبَشَرُ.
 
حَوْلِي مَجْمُوعَةٌ مِنَ ﭐلرِّجَالِ، رُبَّمَا لِلْحِرَاسَةِ، رُبَّمَا فِي ﭐنْتِظَارٍ.
 
حَرَكَةٌ غَرِيبَةٌ تَدُورُ حَوْلَنَا، إِعْدَادُ مِنَصَّةٍ كَبِيرَةٍ وَقَدْ وَضَعُوا فَوْقَ ﭐلصُّخُورِ قِطَعٌ خَشَبِيَّةٌ، أَلنَّاسُ بِالْعَشَرَاتِ جَاءَتْ لِمُشَاهَدَةِ شَكْلِي ﭐلْغَرِيبِ. أَكْثَرُ مَا يُثِيرُ ﭐلضَّحْكَاتِ صَوْتِي حِينَ يَخْرُجُ مِنْ حَنْجَرَتِي.
أَشْعُرُ بِالْجُوعِ ﭐلشَّدِيدِ وﭐلْعَطَشِ، مُشْكِلَةُ ﭐلْإِنْسَانِ ﭐلْكُبْرَى. يَجِفَّ كُلُّ مَا فِيكَ. أَلْمَاءُ تَرْكِيبَةُ جَسَدِكَ. وَهٰذِهِ ﭐلْمَخْلُوقَاتُ، كَيْفَ تَتَحَرَّكُ أَعْضَاؤُهَا، وَكَيْفَ تَتَرَكَّبُ تَرْكِيبَةُ هٰذِهِ ﭐلْأَجْسَادِ ﭐلصَّغِيرَةِ ﭐلْحَجْمِ وَﭐلْقَوِيَّةِ ﭐلْبُنْيَةِ ذَاتِ ﭐلصَّوْتِ ﭐلرَّقِيقِ وَﭐلْمُعَامَلَةِ ﭐلطَّيِّبَةِ.
 
بِلَا مِيعَادٍ يَأْتِينِي أَحَدُهُمْ، يَصِلُ طُولُهُ إِلَى ﭐلرُّكْبَتَيْنِ عِنْدِي، حَامِلًا كُتْلَةً حَجَرِيَّةً رَقِيقَةً عَلَيْهَا بَعْضُ ﭐلثِّمَارِ  وَﭐلنَّبَاتَاتِ ﭐلَّتِي شَاهَدْتُهَا فِي طَرِيقِي، أَلْوَانُهَا زَاهِيَةٌ وَجَمِيلَةٌ... يُشِيرُ إِلَى فَمِي بِقِطْعَةٍ مِنْ تِلْكَ ﭐلثِّمَارِ. 
يَتَوَقَّفَ تَفَكُّرِي وَيَكُفُّ عَنِ ﭐلدَّوَرَانِ. مَا هٰذِهِ ﭐلْأَشْيَاءُ ﭐلَّتِي يَأْكُلُونَهَا؟
 
حِينَ يُبْصِرُنِي أَنْتَظِرُ وَأَنْظُرُ بِإِمْعَانٍ، يَأْخُذُ قِطْعَةً وَيَأْكُلُهَا. تِلْكَ أَفْضَلُ تَرْجَمَةٍ حِينَ تَكُونُ ﭐلْأَشْيَاءُ مَحْسُوسَةً. أَمُدُّ يَدِي بِحَذَرٍ شَدِيدٍ وَأَتَنَاوَلُ وَاحِدَةً... 
أَلطَّعْمُ – لَا طَعْمَ لِتِلْكَ ﭐلْمَأْكُولَاتِ، لٰكِنَّهَا تُشْعِرُكَ بِالِاكْتِفَاءِ.
أَلْمِنَصَّةُ مُعَدَّةٌ جَاهِزَةٌ، مَنْصُوبٌ فيها مَا يُشْبِهُ ﭐلْمَقْعَدَ، كَبِيرُ ﭐلْحَجْمِ، ضَخْمُ ﭐلْجَوَانِبِ، مُرْتَفِعٌ عَنِ ﭐلْقِطَعِ ﭐلْخَشَبِيَّةِ ﭐلَّتِي تَحَوَّلَتْ إِلَى مَقَاعِدَ لِسُكَّانِ ﭐلْمَدِينَةِ.
 
أَمَامَ ﭐلْمِنَصَّةِ شَكْلٌ نِصْفُ دَائِرِيٍّ حَوْلَ ﭐلْكُرْسِيِّ ﭐلْكَبِيرِ. وَأَنَا تَقُودُنِي ﭐلْأَيَادِي وَتَرْفَعُنِي وَأَجْلِسُ كَمِثْلِ ﭐلْمُلُوكِ. 
أَمَامِي عَلَى ﭐلشَّكْلِ ﭐلنِّصْفِ دَائِرِيٍّ خَمْسَةُ مَخْلُوقَاتٍ غَرِيبَةٌ، رُؤُوسُهَا مُدَوَّرَةٌ، عُيُونُهَا مُكَوَّرَةٌ، فُتُحَاتٌ فَارِغَةٌ وَيُبْصِرُونَ كَالنَّسْرِ... وَحَضَارَتُهُمْ رَاقِيَةٌ مُتَطَوِّرَةٌ تُفَوِّقُنَا وَتَعْلُو عَلَيْنَا فِي ﭐلْإِنْجَازَاتِ.
 
صَعِدُوا إِلَى ﭐلْمِنَصَّةِ وَجَلَسُوا فَوْقَ ﭐلْمَقَاعِدِ ﭐلْمُزَرْكَشَةِ ﭐلْمُثِيرَةِ لِلنَّظَرِ. حَوَالَيِ ﭐلْعَشَرَةِ مِنَ ﭐلْمَخْلُوقَاتِ ﭐلْغَرِيبَةِ.       
مَا يُمَيِّزُهُمْ عَنِ ﭐلْجَمَاهِيرِ ﭐلْغَفِيرَةِ هُنَا - ثِيَابُهُمُ ﭐلْمُرَصَّعَةُ بِالْبَرِيقِ، وَفْقَ خِبْرَتِي ﭐلْمُتَوَاضِعَةِ فِي نَسِيجِ ﭐلْمَلَابِسِ. هٰذَا مَا تَصْنَعُهُ ﭐلْإِبْرَةُ وَمَا يُحَاكُ مِنْ جُلُودِ ﭐلْحَيَوَانَاتِ. أَلصَّمْتُ يَعُمُّ ﭐلْمَكَانَ. تُعَلَّقُ ﭐلْأَجْهِزَةُ ﭐلصَّغِيرَةُ أَمَامِي. أَسْمَعُ دَقَّاتِ قَلْبِي وَأَنْفَاسِي تَتَسَارَعُ وَﭐلْخَمْسَةُ مَخْلُوقَاتٍ أَمَامِي. ذَاكَ ﭐلَّذِي فِي وَسَطِ ﭐلْقِعْدَةِ يَبْدَأُ ﭐلْكَلَامَ. 
 
أَسْمَعُ بِصَوْتِهِ لُغَةَ أُمِّي، أَعْرِفُ أَنَّهَا تَرْجَمَةٌ مَا، رُبَّمَا –هِيَ قُدْرَةٌ فَائِقَةٌ لَدَيْهِمْ عَلَى ﭐلْحَدِيثِ. 
أَسْمَعُ ﭐلسُّؤَالَ، لَا إِجَابَةَ عِنْدِي. يُكَرِّرَ ﭐلسَّائِلُ نَفْسَ ﭐلسُّؤَالِ: 
- "لِمَاذَا أَتَيْتَ إِلَيْنَا؟" 
- "أَنَا كَائِنٌ بَشَرِيٌّ، أَعِيشُ فَوْقَ سَطْحِ ﭐلْأَرْضِ. دَفَعَنِي ﭐلْفُضُولُ وَحُبُّ ﭐلِاسْتِكْشَافِ أَنْ أَصِلَ إِلَى هُنَا. أَلْأَحْدَاثُ مُعَقَّدَةٌ، مِنَ ﭐلصَّعْبِ إِعَادَةُ تَسَلْسُلِ ﭐلْوَقَائِعِ." 
- "هَلْ تَحْمِلُ لَنَا إِنْجَازًا عِلْمِيًّا؟ نَحْنُ هُنَا نُقَدِّرُ ﭐلْعُلَمَاءَ كَثِيرًا." 
- "فِي ﭐلْحَقِيقَةِ لَا..." 
- "هَلْ أَنْتَ قَادِمٌ لِتَدْمِيرِ كَوْكَبِنَا كَمَا تَفْعَلُونَ فِي كَوْكَبِكُمُ ﭐلْأَرْضِ؟ تُمَارِسُونَ ﭐلْعُدْوَانَ وَﭐلِاحْتِلَالَ وَﭐلسَّيْطَرَةَ..." 
- "لَا، يَا سَيِّدِي، هَا أَنَا سَيِّدِي مُجَرَّدٌ مِنْ كُلِّ سِلَاحٍ، وَلَا يَكْسُو جَسَدِي سِوَى مَلَابِسِي." 
- "نَحْنُ نَعِيشُ هُنَا فِي هٰذِهِ ﭐلْمَنَاطِقِ ﭐلْجَوْفِيَّةِ مُنْذُ آلَافِ ﭐلسِّنِينَ. بلا نِزَاعاتٍ وَلَا صِرَاعَاتٍ عَلَى ﭐلسُّلْطَةِ، وَﭐلْمُهِمَّةُ ﭐلَّتِي نَحْنُ مُكَلَّفُونَ بِهَا هِيَ ﭐلِاخْتِرَاعُ وَﭐلْبَقَاءُ إِلَى ﭐلْأَزَلِ. وَأَنْتَ لَا فَائِدَةَ تُرْجَى مِنْكَ، لَا عِلْمَ لَدَيْكَ وَلَا مَعْرِفَةَ فِي تَحْدِيثِ أَهَمِّيَّةِ ﭐلْبَقَاءِ لِسُكَّانِ مَدِينَتِنَا."
يَتَحَاوَرُونَ وَيَتَشَاوَرُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ. أَشْعُرُ بِالرُّعْبِ ﭐلشَّدِيدِ، لَا فَائِدَةَ تُرْجَى مِنِّي، مَاذَا سَوْفَ يَفْعَلُونَ بِي؟
تَعْلُو أَصْوَاتُ ﭐلْجَمَاهِيرِ ﭐلَّتِي ﭐفْتَرَشَتِ ﭐلْقِطَعَ ﭐلْخَشَبِيَّةَ مَقَاعِدَ لَهَا... لَا أَفْهَمُ مِنْ لُغَتِهِمْ شَيْئًا، لٰكِنَّ قَلْبِي يَدُقُّ كَجَرَسِ كَنِيسَةٍ بِأَعْلَى ﭐلصَّوْتِ. سَيِّدُ ﭐلْجَلْسَةِ بِإِشَارَةٍ مِنْ يَدِهِ ﭐلْمَرْفُوعَةِ يُوقِفُ ﭐلْهُتَافَ. أَلْآنَ أَعْرِفُ أَنَّ سَيِّدَهُمْ لَا يَمْلِكُ أَصَابِعَ فِي ﭐلْيَدَيْنِ.
 
يَقُولُ: "هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَقْذِفُوا بِكَ خَارِجَ ﭐلْمَدِينَةِ، لٰكِنَّ قَرَارَنَا، بَعْدَ ﭐلْمُشَاوَرَاتِ أَنّكَ سَتَبْقَى مَعَنَا، فِي خِدْمَتِنَا، كَيْ نَعْرِفَ كَيْفَ يَتَصَرَّفُ ﭐلْبَشَرُ ﭐلْحُكَّامُ وَﭐلْعَادِيُّونَ أَمْثَالَكَ فِي ﭐلْحَيَاةِ." 
كَخَطْفِ ﭐلْبَرْقِ يَعُودُ كُلُّ مَا كَانَ إِلَى مَا كَانَ. أَلْمَقْعَدُ ﭐلضَّخْمُ، أَلْقِطَعُ ﭐلْخَشَبِيَّةُ، أَلْمِنَصَّةُ ﭐلنِّصْفُ دَائِرِيَّةٍ... وﭐلْجَمَاهِيرُ ﭐلَّتِي تَسْكُنُ ﭐلْمَدِينَةَ تَعُودُ ﭐلْآنَ إِلَى سُكْنَاهَا.
 
أَسْتَغْرِبُ، كُلُّ تِلْكَ ﭐلسُّرْعَةِ وَﭐلدِّقَّةِ فِي ﭐلتَّنْفِيذِ مُذْهِلَةٌ. أُحَاوِلُ أَنْ أَتَلَمَّسَ مَوْضِعِي ﭐلْآنَ فَوْقَ ﭐلْأَرْضِ، وَقَبْلَ أَنْ أَسْتَوْعِبَ حَرَكَةَ ﭐلتَّغْيِيرِ وَكَيْفِيَّةَ تَحَوُّلِ ﭐلْمَكَانِ إِلَى ﭐلْفَرَاغِ ﭐلتَّامِّ مِنَ ﭐلْمَخْلُوقَاتِ، بَادَرَنِي ﭐلْقَادِمُ نَحْوِي بِالسَّلَامِ بِلُغَتِي: 
- "أَلسَّلَامُ عَلَيْكُمْ" 
- "وَعَلَيْكَ" (إِرْتَعَدَ جَسَدِي، كَيْفَ يَعْرِفُ هٰذَا لُغَتِي؟) 
- "لَا عَلَيْكَ أَخِي، نَحْنُ قَوْمٌ طَيِّبُونَ." 
- "كَيْفَ تُخَاطِبُنِي بِلُغَتِي؟ مَنْ أَنْتَ؟ تَبْدُو لَسْتَ مِثْلَهُمْ تَمَامًا."
- "حَقًّا هٰذَا ﭐلصَّحِيحُ، يَعْتَبِرُونَنِي مُعَاقًا أَوْ ذَا تَشْوِيهَاتٍ خَلْقِيَّةٍ فِي وَجْهِي وَجَسَدِي، لِهٰذَا قَامُوا بِإِجْرَاءِ عِدَّةِ عَمَلِيَّاتٍ، كَيْ أُصْبِحَ شَبَهَهُمْ، وَهٰذِهِ هِيَ ﭐلنَّتِيجَةُ، تَقْرِيبًا أَنَا ﭐلْآنَ أُشْبِهُهُمْ بَعْضَ ﭐلشَّيْءِ." 
- "كَيْفَ حَدَثَ هٰذَا؟" 
- "هَلْ تَعْرِفُ قِصَّةَ نُوحٍ حِينَ غَمَرَ ﭐلْمَاءُ ﭐلْعَالَمَ وَدَامَ ﭐلطُّوفَانُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً عَلَى ﭐلْأَرْضِ؟ وَبَعْدَ أَنْ تَوَقَّفَ ﭐلْمَطَرُ وَبَدَأَ ﭐلْجَفَافُ تَكَوَّنَتْ سَبْعُ أَرْضِينَ تَحْتَ قِشْرَةِ ﭐلْأَرْضِ ﭐلَّتِي يَعِيشُ فَوْقَهَا ﭐلْبَشَرُ، وَتَكَوَّنَتِ ﭐلْكُهُوفُ وَﭐلْمَغَارَاتُ وَﭐلْفَجَوَاتُ وَﭐلْمُدُنُ ﭐلْمَأْهُولَةُ بِعَالَمِ ﭐلْأَرْضِ ﭐلْبَاطِنِيَّةِ. أَنَا كُنْتُ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِ ﭐلْأَرْضِ، أَخَذَتْنِي ﭐلْقَبَائِلُ ﭐلشِّرِّيرَةُ وَتَعَذَّبْتُ كَثِيرًا حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى سُكَّانِ هٰذِهِ ﭐلْمَدِينَةِ. كُنْتُ مُخْتَلِفًا عَنْهُمْ كَثِيرًا، وَبِفَضْلِ عِلْمِهِمْ وَخِبْرَتِهِمْ فِي ﭐلتَّشْرِيحِ وَﭐلتَّجْمِيلِ أَعَادُونِي إِلَى هَيْئَتِهِمْ. أُشْبِهُهُمْ وَأُشْبِهُكُمْ وَأَعْرِفُ لُغَتَهُمْ وَلُغَتَكُمْ. أَنَا هُنَا ﭐلْمُتَحَدِّثُ بِاسْمِهِمْ حِينَ تَسْقُطُونَ مِنْ أُولَئِكَ ﭐلْأَرْضِيِّينَ إِلَيْنَا، وَأَنَا ﭐلَّذِي كَانَ يُتَرْجِمُ لُغَتَهُمْ وَأَنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي." 
- "تِلْكَ بَلَاغَةٌ فِي ﭐللُّغَةِ وَﭐلْمَعْرِفَةِ." 
(لَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ خَرَجَ صَوْتِي كَمِثْلِ ﭐلْقَذِيفَةِ. أَهُوَ فَرَحِي أَمْ خَوْفِي أَمْ جَوْفِي ﭐلْخَافِقُ أَنَّنِي وَجَدْتُ أَخِيرًا مَلْجَئِي؟) 
 
كَانَ يَنْظُرُ إِلَيَّ، هٰكَذَا تَخَيَّلْتُ وَقْعَ ﭐلْبَصَرِ. وَلٰكِنْ كَيْفَ أَعْرِفُ، تِلْكَ ﭐلْفُتُحَاتُ اَلْفَارِغَةُ، أَيْنَ تَنْظُرُ. 
إِبْتَسَمَ لِي وَقَالَ: "سَوْفَ تَسْكُنُ مَعِي. مِنَ ﭐلْآنِ وَصَاعِدًا عَلَيْنَا ﭐلْعَمَلُ مَعًا. هٰكَذَا حَكَمَتْ عَلَيْكَ سَادَةُ ﭐلْقُضَاةِ." 
قُلْتُ: "هَلِ ﭐلسَّكَنُ مُرِيحٌ لِلْإِنْسَانِ؟ هَلِ ﭐلْعَمَلُ يُلَائِمُ قُدُرَاتِي ﭐلْجَسَدِيَّةَ؟"
يَضْحَكُ بِصُورَةٍ هِسْتِيرِيَّةٍ، يَهْتَزَّ جَسَدُهُ كَغُصْنٍ يُلَاعِبُ ﭐلرِّيحَ وَيَقُولُ: "مَاذَا تَعْتَقِدُ؟ إِنَّنَا نَتَفَوَّقُ عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ وَﭐلِاخْتِرَاعِ. أَنْتُمُ ﭐلْآنَ أَسْيَادُ ﭐلْعَالَمِ فِي عِلْمِ ﭐلِاتِّصَالَاتِ وَغَزْوِ ﭐلْفَضَاءِ، وَلَا تَعْرِفُونَ عَنْ حَضَارَتِنَا إِلَّا ﭐلْقَلِيلَ."
أَتَوَقَّفُ عَنِ ﭐلْحَدِيثِ ﭐلَّذِي لَا أَعْرِفُ أَيْنَ سَوْفَ يَسْتَقِرُّ وَأَقُولُ: "أَخْبِرْنِي إِذَنْ مَاذَا نَعْمَلُ أَوْ نَصْنَعُ؟" 
يَقْتَرِبُ وَيَمُدُّ ﭐلْيَدَيْنِ إِلَى ﭐلْأَمَامِ حَتَّى تُصْبِحَ أَجْنِحَةً، ثُمَّ يَحْمِلُنِي وَيَعْلُو، وَنَطِيرُ مَعًا مَسَافَةً لَيْسَتْ طَوِيلَةً يَحُطُّ بَعْدَهَا فَوْقَ سَطْحِ مَبْنًى. حِينَ أَدْرَكْتُ مَقَامَ قَدَمَيَّ قُلْتُ: "لِمَاذَا ﭐلسَّطْحُ؟"
 
يَضْحَكُ كَالْعَادَةِ، هِيَ لَيْسَتْ ضَحْكَةً وإنَّمَا عِبَارَةٌ عَنْ صَوْتٍ يَحْمِلُ ﭐلِاسْتِهْزَاءَ مِنِّي. 
يُمْسِكُ بِيَدِي وَنَدْنُو مِنْ كُوَّةٍ صَغِيرَةٍ نَدْخُلُهَا، وَيَسْتَقْبِلُنَا ﭐلدَّرَجُ ﭐلنَّازِلُ إِلَى ﭐلْقَاعَةِ.
 
أَلْقَاعَةُ فَسِيحَةٌ جِدًّا، وَﭐلْعُمَّالُ يَتَنَقَّلُونَ مَا بَيْنَ ﭐلزُّجَاجَاتِ ﭐلْمُعَلَّقَةِ وَبَيْنَ ﭐلْأَلْوَاحِ ﭐلْمُضَاءَةِ بِشِدَّةٍ. 
لَا يَقْوَى بَصَرِي عَلَى ﭐلتَّمَعُّنِ، لَحْظَةٌ كَانَتْ وَعُدْتُ لِلزُّجَاجَاتِ اَلْمُعَلَّقَةِ - بَعْضُهَا مُسَطَّحَةٌ – مُكَوَّرَةٌ – مُقَعَّرَةٌ - مُحَدَّبَةٌ... حَتَّى ﭐلْأَحْجَامُ مُخْتَلِفَةٌ - أُسْطُوَانَاتٌ دَائِرِيَّةٌ وَأُخْرَى مُرَبَّعَةٌ. 
 
يَهُزُّنِي صَدِيقِي ﭐلْمُرَافِقُ وَيَقُولُ: "هٰذَا هُوَ ﭐلْمَعْمَلُ، هُنَا نَصْنَعُ ﭐلْمَطَرَ وَنُقَلِّلُ مِنْ رُطُوبَةِ ﭐلْمُنَاخِ وَنَجْعَلُ لِلشَّمْسِ مَنَافِذَ كَيْ يَدْخُلَ ﭐلنُّورُ وَﭐلشُّعَاعُ وَﭐلدِّفْءُ إِلَى ﭐلْمَدِينَةِ."
 
أَلْأَجْسَامُ تَتَحَرَّكُ أَمَامِي كَأَنَّهَا تَطِيرُ، لَا تَسِيرُ. يَهُزُّنِي مَرَّةً أُخْرَى: "هَلْ تَسْتَوْعِبُ كَلَامِي؟" 
أَقُولُ: "نَعَمْ." 
يَقُولُ: "لَقَدْ شَرَحْتُ لَكَ ﭐلْقَلِيلَ حَتَّى تَسْتَوْعِبَ أَهَمِّيَّةَ وُجُودِ ﭐلْعُلَمَاءِ عِنْدَنَا وَﭐلْعَظَمَةَ ﭐلَّتِي تُحِيطُ بِهِمْ. هُمْ صَفْوَةُ ﭐلْقَوْمِ هُنَا."
 
أُدْرِكُ عِنْدَهَا أَنَّنِي فِي مَأْزِقٍ. أَصْمُتُ، أَلصَّمْتُ طَوْقُ ﭐلنَّجَاةِ، مِنْ اَلْمُفَضَّلِ أَنْ أَنْشَغِلَ بِخَلِيَّةِ ﭐلنَّحْلِ ﭐلَّتِي تَعْمَلُ أَمَامِي.
 
يَقُولُ: "قُلْ لِي ﭐلْآنَ، مَاذَا تَفْعَلُونَ فَوْقَ سَطْحِ الْأَرْضِ فِي مَصَانِعِكُمْ وَمُخْتَبَرَاتِكُمْ؟"
 
أَعُودُ لِلصَّمْتِ، كَيْفَ أَشْرَحُ لِهٰذَا ﭐلْكَائِنِ أَنَّنَا، نَحْنُ ﭐلْبَشَرُ، نَعِيشُ فِي بُيُوتِنَا، نَسْتَهْلِكُ ﭐلْأَشْيَاءَ – نَقْتَنِيهَا، نَسْتَعْمِلُهَا. لٰكِنَّنَا لَا نَعْرِفُ كَيْفَ هِيَ مُرَكَّبَةٌ أَوْ كَيْفَ تَمَّ صَنِيعُهَا. نَحْنُ نَتَعَامَلُ مَعَ كُلِّ ﭐلِاخْتِرَاعَاتِ مِنَ ﭐلْإِبْرَةِ حَتَّى ﭐلْهَاتِفِ ﭐلْمَحْمُولِ أَوِ ﭐلنَّقَّالِ، لٰكِنَّنَا نَجْهَلُ ﭐلتَّرْكِيبَ، نَجْهَلُ كَيْفَ تَعْمَلُ هٰذِهِ ﭐلرُّقَاقَاتُ دَاخِلَ هٰذِهِ ﭐلْأَجْهِزَةِ. 
يَضْحَكُ، كَمَا قُلْتُ، بِاسْتِهْتَار: "أَنْتَ صَعْبُ ﭐلْمِرَاسِ، وَلٰكِنْ لَا بَأْسَ، سَوْفَ تَعْتَرِفُ. لَقَدْ أَرْسَلُوكَ مِنْ عَالَمِ ﭐلْأَرْضِ إِلَيْنَا كَيْ تَتَجَسَّسَ عَلَيْنَا، كَيْ تَسْرِقَ مِنَّا أَهَمَّ إِنْجَازَاتِنَا وَتَبُوحَ بِهَا إِلَى عُلَمَاءِ ﭐلْأَرْضِ. أَنْتَ تُشَاهِدُ ﭐلْمَصْنَعَ وَﭐلْعُمَّالَ، هَلْ فَهِمْتَ شَيْئًا؟ طَبْعًا لَا – نَحْنُ نَصْنَعُ حَضَارَةَ ﭐلْغَدِ وَأَنْتُمْ تَصْنَعُونَ ﭐلْحَرْبَ وَتِجَارَةَ ﭐلسِّلَاحِ وَقَتْلَ ﭐلْإِنْسَانِيَّةِ. أَنْتُمْ تُمَارِسُونَ نَزْعَ ﭐلشَّرْعِيَّةِ عَنِ ﭐلْأَقَلِّيَّةِ ﭐلْعَاقِلَةِ مُقَابِلَ ﭐلْأَكْثَرِيَّةِ ﭐلْجَاهِلَةِ."
قَالَ لِي ﭐلْمرَافِقُ إِنَّهُ يَعْرِفُ ﭐلْكَثِيرَ عَنَّا، وَفِي ﭐلنِّهَايَةِ سَأَعْتَرِفُ. هَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْهَمَ هٰذَا ﭐلْكَائِنُ ﭐلْمُتَحَرِّكُ ﭐلنَّاطِقُ أَنَّنِي أَحْبَبْتُ مَعْرِفَةَ مَصِيرِ ﭐلطَّيْرِ وَجِذْعِ ﭐلشَّجَرَةِ؟ قُلْتُ لِنَفْسِي: "طَبْعًا لَا... أَلَيْسَ حُبُّ ﭐلْمَعْرِفَةِ وَﭐلْحَاجَةُ هُمَا مَا دَفَعَ ﭐلْإِنْسَانَ لِلْبَحْثِ وَﭐلِاخْتِرَاعِ؟ نَحْنُ ﭐلْبَشَرُ لَا نُفَكِّرُ فِي مَصِيرِنَا وَحَتْمِيَّةِ وُجُودِنَا إِلَّا وَقْتَ ﭐلشِّدَّةِ وَﭐلْحَرَجِ وَﭐلْعَوَزِ وَﭐلْحَاجَةِ ﭐلْمُلِحَّةِ لِلتَّغْيِيرِ أَوْ لِلتَّدْبِيرِ، أَوْ لِلْمُعَالَجَةِ."
 
كَانَ يَدْفَعُنِي حَتَّى وَصَلْنَا ﭐلْبَابَ ﭐلْمُؤَدِّيَ لِلدَّرَجِ ﭐلنَّازِلِ إِلَى ﭐلْأَسْفَلِ. عِنْدَ آخَر دَرَجَةٍ مِنَ ﭐلنُّزُولِ، تَسْتَقْبِلُنَا قَاعَةٌ مُشَابِهَةٌ لِلْقَاعَةِ ﭐلَّتِي غَادَرْنَاهَا. هُنَا طَاوِلَاتٌ حَجَرِيَّةٌ وَمَقَاعِدُ حَجَرِيَّةٌ فَوْقَهَا ﭐلْأَلْوَاحُ ﭐلْخَشَبِيَّةُ.
 
هٰذَا ﭐلْمَشْهَدُ ﭐلْمُشَابِهُ لِمَا كَانَ فِي سَاحَةِ ﭐلْمَدِينَةِ، غَيْرَ أَنَّ ﭐلْكَائِنَاتِ ﭐلْجَالِسَةَ فَوْقَ ﭐلْمَقَاعِدِ، يَنْظُرُونَ مِنْ خِلَالِ ﭐلنَّافِذَةِ ﭐلْعَرِيضَةِ ﭐلَّتِي تُطِلُّ عَلَى سُكَّانِ ﭐلْمَدِينَةِ. كَانُوا وَفْقَ حِسَابَاتِ ﭐلْإِنْسَانِ ﭐثْنَيْ عَشَرَ جَسَدًا تَحْمِلُ رُؤُوسًا كَبِيرَةً وَفُتُحَات عُيُونٍ فَارِغَةٍ تُطِلُّ عَلَيْكَ كَأَنَّهَا فَجَوَاتٌ لَيْسَ لَهَا قَرَارٌ.
أَلْآنَ يَتَكَلَّمُ ﭐلْمُرَافِقُ:" هُنَا، فِي هٰذِهِ ﭐلْقَاعَةِ، أَمَامَكَ ﭐلْآنَ صَفْوَةُ ﭐلْقَوْمِ بِالْعِلْمِ وَﭐلْمَعْرِفَةِ وَﭐلسِّيَاسَةِ. هُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى ﭐلْمَدِينَةِ وَأَجْهِزَتُهُمْ تُرَاقِبُ بَاطِنَ ﭐلْأَرْضِ وَفَوْقَهَا. أَنْتَ لَا تُبْصِرُ تِلْكَ ﭐلْمُعَدَّاتِ ﭐلْمُعَلَّقَةَ وَﭐلْأَجْهِزَةَ ﭐلْمَفْتُوحَةَ ﭐلْأَثِيرِ. تَحْتَاجَ إِلَى عَيْنَيْنِ بِمِسَاحَةِ مَا لَدَيْنَا - تِلْكَ كَانَتْ أَوَّلَ عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ لِي هُنَا. كَيْفِيَّةُ ﭐلرُّؤْيَةِ مَعَ ﭐلْبَصِيرَةِ. هُمْ يَمْلِكُونَ فَوْقَ ﭐلْحَاسَّةِ ﭐلسَّادِسَةِ لَدَيْكُمْ وَأَكْثَرَ مِنْ ﭐلْبُعْدِ ﭐلرَّابِعِ أَيْضًا. أَلْأَبْعَادُ هُنَا مِنْ خِلَالِ ﭐلْبَصَرِ وَﭐلْبَصِيرَةِ تَصِلَ إِلَى دَرَجَةِ مَعْرِفَةِ ﭐلْبِحَارِ وَﭐلْمُحِيطَاتِ وَﭐلْمَنَاطِقِ اَلْبَعِيدَةِ. نَحْنُ أَهْلُ اَلْأَرْضِ ﭐلْبَاطِنِيَّةِ، سَوْفَ نُسَيْطِرُ عَلَى ﭐلْعَالَمِ بِالْعِلْمِ وَسِيَاسَةِ ﭐلْمَحَبَّةِ، وَأَنْتُمْ سَوْفَ تَخُوضُونَ ﭐلْحُرُوبَ ﭐلنَّوَوِيَّةَ لِفَنَاءِ ﭐلْبَشَرِيَّةِ، وَﭐلْبَقَاءُ لَنَا.  نَحْنُ سُكَّانُ بَاطِنِ ﭐلْأَرْضِ." 
قُلْتُ: "أَشْعُرُ بِالْجُوعِ." 
قَالَ: "أَعْرِفُ." 
قُلْتُ: "كَيْفَ تَعْرِفُ؟" 
قَالَ: "عَضَلَاتُ بَطْنِكَ مَرْسُومَةٌ هُنَا عَلَى ﭐلْجِدَارِ – إِنَّهَا فَارِغَةٌ، وَأَنْتَ لَنْ تَصْمُدُ أَكْثَرَ. سَيَقْتُلُكَ ﭐلْجُوعُ. بَعْدَ ﭐلْقَلِيلِ مِنَ ﭐلْوَقْتِ نَصِلُ إِلَى ﭐلدَّرَجِ وَحِينِهَا عِنْدَ نُزُولِنَا تَسْتَقْبِلُنَا قَاعَةُ ﭐلطَّعَامِ." 
كَعَادَتِي، لَيْسَ لِي مَفَرٌّ، أُصَدِّقُ ﭐلْكَلَامَ وَنَسِيرُ...
أَلدَّرَجُ هُوَ ﭐلْمَسْلَكُ ﭐلَّذِي يَقُودُنَا إِلَى قَاعَةِ ﭐلطَّعَامِ. فَوْرَ وُصُولِنَا أَشُمُّ تِلْكَ ﭐلرَّوَائِحَ ﭐلزَّكِيَّةَ. كَشَرِيطٍ سِينَمَائِيٍّ تَمُرُّ بِي أَحْدَاثُ رِحْلَتِي، هٰذِهِ ﭐلزُّهُورُ ﭐلَّتِي شَاهَدْنَاهَا أَثْنَاءَ مُرُورِنَا فِي رِحْلَةِ ﭐلتَّحْلِيقِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ أَنْسَى جَمَالَهَا وَرَوْعَةَ رَوْنَقِهَا وَخُضْرَةَ أَوْرَاقِهَا. 
قُلْتُ لِصَدِيقِي ﭐلْمُرَافِقِ: "مَا هٰذِهِ ﭐلْأَصْنَافُ؟ كَيْفَ تَأْكُلُونَهَا، ظَنَنْتُهَا زُهُورًا لِلزِّينَةِ." 
قَالَ: "لَا تَتَعَجَّلْ كَثِيرًا، تِلْكَ ﭐلزُّهُورُ لَدَيْنَا تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: زُهُورٌ لِلطَّعَامِ ﭐلْيَوْمِيِّ، وَهِيَ كَمَا تَرَاهَا جَمِيلَةُ ﭐلْمَنْظَرِ، وَزُهُورٌ لِلزِّينَةِ لِلْمَنْظَرِ وَتَمْنَحُ مُنَاخَ ﭐلْمَدِينَةِ ﭐلنَّقَاءَ وَﭐلرَّائِحَةَ وَﭐلْهَوَاءَ ﭐلْعَلِيلَ، وَزُهُورٌ نَسْتَخْرِجُ مِنْهَا ﭐلْأَدْوِيَةَ وَﭐلْمَحَالِيلَ ﭐلْخَاصَّةَ لِمُعَالَجَةِ سُكَّانِ ﭐلْمَدِينَةِ. وَأَنْتَ ﭐلْآنَ مَاذَا تُفَضِّلُ أَنْ تَأْكُلَ – أَلزُّهُورَ ﭐلْمَسْلُوقَةَ أَمِ ﭐلْمَطْبُوخَةَ؟" 
ظَنَنْتُهُ يُدَاعِبُ خَيَالِي.
 
كَيْفَ أُصَدِّقُ أَنَّ تِلْكَ ﭐلنَّبَاتَاتِ، تُصْنَعُ مِنْهَا مَأْكُولَاتٌ؟ لٰكِنَّنِي ضَحِكْتُ لِسَخَافَةِ تَفْكِيرِي، أَلَيْسَتِ ﭐلْأَشْجَارُ وَﭐلنَّبَاتَاتُ لَدَيْنَا تُؤْكَلُ؟
 
قَالَ: "إِجْلِسْ، تِلْكَ طَاوِلَتُنَا ﭐلْيَوْمَ، عَلَيْهَا أَفْضَلُ وَأَجْمَلُ أَنْوَاعِ ﭐلطَّعَامِ. عَلَيْنَا أَنْ نَنْتَهِيَ بِسُرْعَةٍ وَبَعْدَهَا سنُسَافِرُ إِلَى ﭐلْكُوخِ - مَرْكَزُ صَلَاتِنَا ﭐلْأَبَدِيُّ." 
قُلْتُ: "أهُنَا أَمَاكِنُ لِلصَّلَاةِ." 
(كَانَ ﭐلِاسْتِغْرَابُ فِي سُؤَالِي سَبَبَ ﭐلنُّفُورِ ﭐلْحَادِّ فِي ﭐلْإِجَابَةِ) 
قَالَ: "لَسْتُمْ وَحْدَكُمْ مَنْ يَعْبُدُ وَيُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَحْفَظُ تَعَالِيمَ رَبِّنَا. نَحْنُ نَعْبُدُ سَمَاوَاتٍ سَبْعَةً وَكَوَاكِبَ ثَمَانِيَةً وَأَقَالِيمَ تِسْعَةً وَنَعْرِفُ ﭐلْجَنَّةَ وَﭐلْجَحِيمَ."
 
أَلصَّمْتُ يُخَيِّمُ عَلَى ﭐلْمَكَانِ، يُدْرِكُ صَدِيقِي حِينَ أَصْمُتُ وَيُتَابِعُ ﭐلْكَلَامَ:  
"أَلْآنَ طَرِيقُنَا نَحْوَ بَحْرِ ﭐلسُّحُبِ ﭐلَّذِي يَحْرُسُ ﭐلْكُوخَ. أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ فِي غَايَةِ ﭐلْغَرَابَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْكَ. حَاوِلْ أَلَّا تَسِيرَ، أَنْ تَطِيرَ مِثْلَنَا، فَأَرْضُنَا مُقَدَّسَةٌ تَحْرُسُهَا كَائِنَاتٌ ﭐغْتَسَلَتْ بِالطَّهَارَةِ قَبْلَ أَنْ تَسْكُنَ هُنَا فِي بَاطِنِ ﭐلْأَرْضِ. أَيْنَ نَذْهَبُ نَحْنُ، لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْتُمُ ﭐلسَّفَرَ. نَحْنُ نُسَافِرُ مَا بَيْنَ ﭐلْمَحَبَّةِ وَﭐلْمَلَائِكَةِ، وَأَنْتُمْ تَغْرَقُونَ فِي ﭐلْمَادِّيَّاتِ. أَيْنَ عَاشِقُ ﭐلنُّورِ؟ أَيْنَ بَائِعُ ﭐلْفَضِيلَةِ؟ أَيْنَ اَلصَّلَاةُ – لِلصَّلَاةِ وَلَيْسَ لِهَدَفِ ﭐلْجَنَّةِ؟" 
 
مَا زَالَ ﭐلصَّمْتُ حَارِسِي ﭐلْأَمِينَ، وَﭐلطَّرِيقُ بَيْنَ ﭐلسُّحُبِ يَأْخُذُنِي بِالْحَنِينِ. كَمْ أُحِبُّ ﭐلْأَرْضَ، سُكَّانَهَا وَلُغَتَهَا وَحَتَّى شَجَرَهَا وَتُرَابَهَا، إِنَّهَا وَطَنِي!
يَبْتَسِمُ صَدِيقِي وَيَقُولُ: "لَقَدْ وَصَلْنَا، أَلْكُوخُ أَمَامَكَ، أُنْظُرْ..." 
قُلْتُ: "لَا أُبْصِرُ شَيْئًا، لَا بَيْتًا وَلَا كُوخًا."
 
يَبْتَسِمَ مَرَّةً أُخْرَى، أَلْآنَ أَكْثَرَ ﭐتِّسَاعًا: "أَعْرِفُ مَا يَدُورُ فِي خَلَدِكَ." 
قُلْتُ: "كَيْفَ تَعْرِفُ؟" 
قَالَ: "هٰكَذَا كَانَ مَصِيرِي فِي أَوَّل مَرَّةٍ وَصَلَتُ فِيهَا  إِلَى هَا هُنَا - إِلَى ﭐلْكُوخِ. لَمْ أُبْصِرْ مِثْلَكَ شَيْئًا حَتَّى أَدْخَلُونِي إِلَى حُزْمَةِ ﭐلسُّحُبِ ﭐلنُّورَانِيَّةِ ﭐلَّتِي تُحِيطُ بِالْمَكَانِ."
 
نَدْخُلُ مَا بَيْنَ ﭐلسَّحَابِ وَﭐلنُّورِ. أَعْرِفُ تِلْكَ ﭐلْحِجَارَةَ ﭐلَّتِي 
تُشْبِهُ ﭐلْهَيَاكِلَ وَﭐلْمَعَابِدَ – ﭐلْأَعْمِدَةُ ضَخْمَةٌ وَﭐلسُّقُوفُ عَالِيَةٌ، وَأَكْثَرُ مَا يُدْهِشُكَ أَصْوَاتُ تَرَانِيمِ ﭐلصَّلَاةِ ﭐلْخَارِجَةِ مِنْ فُتُحَاتٍ فِي ﭐلْكُوخِ. 
 
قُلْتُ: "أَيْنَ هُمْ؟ أَسْمَعُ صَلَاتَهُمْ وَلَا أُشَاهِدُ وُجُوهَهُمْ، أَيْنَ هُمْ؟" 
قَالَ: "هُمْ عَبَدَةُ ﭐلْمَدِينَةِ، حَارِسُوهَا وَنَوَاطِيرُ أَرْضِهَا وَصَانِعُو أَحْلَامِهَا، أَمْجَادُهَا، رَازِقُو سُكَّانِهَا، لَا تُبْصِرُهُمْ – هُمُ ﭐلشَّفَافُونَ حَتَّى عَلَى أَبْصَارِنَا، وَصَلُوا إِلَى هٰذَا ﭐلْمَقَامِ بِفَضْلِ صَفَاءِ قُلُوبِهِمْ وَنَقَاءِ ضَمَائِرِهِمْ وَبَهَاءِ صِلَاتِهِمْ."
 
أَشْعُرُ بِالتَّعَبِ وَﭐلنُّعَاسِ، لَا أَسْتَطِيعُ مُقَاوَمَةَ ﭐلنَّوْمِ ﭐلْقَادِمِ مَا بَيْنَ ﭐلنُّورِ وَﭐلضَّبَابِ. يَنْظُرُ صَدِيقِي إِلَيَّ، يَحْمِلُنِي، أَغْفُو وَﭐلْحُلْمُ يَأْتِي، رُبَّمَا كُنْتُ هُنَا أَوْ هُنَاكَ. أَلْآنَ تَهْتَزُّ أَرْكَانُ ﭐلْمَدِينَةِ...
 
قُلْتُ: "نَعَمْ صَدِيقِي... أَسْمِعْنِي" 
قَالَتْ صَدِيقَتِي: "مَتَى تَنْتَهِي مِنْ قِرَاءَةِ ﭐلْكِتَابِ؟"
قُلْتُ: "لِمَاذَا لَا تَتْرُكِينَنِي حَتَّى أَصِلَ إِلَى نِهَايَةِ ﭐلْقِصَّةِ؟" 
قَالَتْ: "كَأَنَّكَ كُنْتَ فِي عَالَمٍ آخَرَ."
 
إقرأ أيضا ...
كتب مفتوحة
حتى نستطيع الاستمرار
عوالم تحت الأرض
شباك الحرية
ملكة الثلج
كتب للمتسجلين
رسالة الغفران
اتكلم جميع اللغات ولكن بالعربية
الصبي والساحر
رمزي وقطته
كتب بريميوم
قميص لتغليف الهدايا
الشيطان والآنسة بريم
كيف تنجح مبادرتك
ماكيت القاهرة